وعن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومجَّ فيه، ثم قال لهما: - يعني أبا موسى وبلال -"اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما" [39] .
وعن أبي جحيفة قال:"خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة، فأتي بوضوء فتوضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه، فيمتسحون به ..." [40] .
وممن قال بجواز ذلك: ابن عبدالبر، والنووي، وابن حجر [41] .
وذهب بعض العلماء إلى منع ذلك، وحملوا كل ما ورد في هذا على الخصوص فقالوا: هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا دليل على التعميم، فلم يتبرك الصحابة والأئمة من بعدهم بخيار هذه الأمة بعد نبيها كالخلفاء الأربعة ونحوهم.
قال الشاطبي - بعد أن ذكر تبرك الصحابة بآثار النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أورد استشكالًا حول التبرك بغيره من الصالحين قياسًا عليه -:
"الصحابة رضي الله عنهم بعد موته عليه السلام لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه إذ لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فهو كان خليفته ولم يفعل به شيء من ذلك، ولا عمر - رضي الله عنه - وهو كان أفضل الأمة بعده ثم كذلك عثمان، ثم علي، ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فهو إذًا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء".
ثم ذكر وجه تركهم لذلك، وأنه يحتمل أحد وجهين لا ثالث لهما:
أحدهما: اعتقادهم أن هذا خاص بمقام النبوة لا يتعداه.
الثاني: أنهم تركوا ذلك من باب سدّ الذرائع [42] .
وقال الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب بعد أن ذكر أن بعض المتأخرين استحب التبرك بآثار الصالحين. قال:"وقد أكثر من ذلك أبو زكريا النووي في"شرح المسلم"في الأحاديث التي فيها أن الصحابة فعلوا شيئًا من ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم، وظن أن بقية الصالحين في ذلك كالنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا خطأ صريح لوجوه: منها: عدم المقاربة فضلًا عن المساواة للنبي صلى الله عليه وسلم في الفضل والبركة. ومنها: عدم تحقق الصلاح، فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب، وهذا لا يمكن الاطلاع عليه إلا بنص."
ومنها: أنا لو ظننا صلاح شخص، فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء، والأعمال بالخواتيم فلا يكون أهلًا للتبرك بآثاره.
ومنها: أن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره لا في حياته، ولا بعد موته، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، فهلا فعلوه مع أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ونحوهم من الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة ... ، فدل أن ذلك مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها: أن فعل هذا مع غيره صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أن يفتنه، وتعجبه نفسه، فيورثه العجب والكبر والرياء ..." [43] ."
وبهذا يتضح ضعف القول الأول، وصحة القول الثاني - والله أعلم -.