الصفحة 6 من 36

يقول شيخ الإسلام:"لا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت حجته بحديث صحيح وافقه طائفة من أهل العلم إلى قول آخر قاله عالم يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجة وإن كان أعلم، إذ تطرق الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعية، فإن الأدلة الشرعية حجة الله على جميع عباده، بخلاف رأي العالم. والدليل الشرعي يمتنع أن يكون خطأ إذا لم يعارضه دليل آخر، ورأي العالم ليس كذلك ... ، لكن الغرض أنه في نفسه يكون معذورًا في تركه له، ونحن معذورون في تركنا لهذا الترك" [25] .

سادسًا: يُغتفر الخطأ لمن لم تبلغه الحجة بخلاف من بلغته:

قد يكون هذا الخطأ صدر عن إمام معين لعدم بلوغه الحجة، فيعذر في ذلك لكن لا يكون حجة لغيره ممن بلغته الحجة.

يقول شيخ الإسلام:

"إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت لعدم بلوغ الحجة له؛ فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول، فلهذا يبدع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها إذا أنكر ذلك، ولا تبدع عائشة ونحوها ممن لم يعرف بأن الموتى يسمعون في قبورهم، فهذا أصل عظيم فتدبره فإنه نافع" [26] . كما يوضح أنه ليس كل من خالف في شيء من الاعتقاد فهو هالك.

يقول في ذلك:

"وليس كل مخالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكًا. فإن المنازع قد يكون مجتهدًا مخطئًا، يغفر الله له خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته" [27] .

ويقول - رحمه الله - في بيان أن المجتهد إذا استفرغ وسعه علمًا وعملًا فقد فعل ما كلف به، سواء أصاب أم أخطأ:"ومن هذا الباب ماهو من باب التأويل والاجتهاد الذي يكون الإنسان مستفرغًا فيه وسعه علمًا وعملًا. ثم الإنسان قد يبلغ ذلك ولا يعرف الحق في المسائل الخبرية الاعتقادية، وفي المسائل العملية الاقتصادية، والله قد تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان بقوله: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَانَا} [سورة البقرة: 286] ، وإذا كان كذلك فما عجز الإنسان عن عمله واعتقاده حتى يعتقد ويقول ضده خطأ ونسيانًا فذلك مغفور له" [28] .

وقال أيضًا:"فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد، من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح، لم يكن أسوأ حالًا من هذا الرجل - يعني الرجل الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسرف على نفسه ثم أوصى بنيه ... القصة [29] - فيغفر الله له خطأه" [30] .

كما يبين أنه ليس كل من اجتهد سيتضح له الحق، بل ربما يخفى عليه، ولا يستحق بذلك الوعيد. يقول - رحمه الله -:"ليس كل من اجتهد واستدل يتمكن من معرفة الحق ولا يستحق الوعيد إلا من ترك مأمورًا به أو فعل محظورًا. وهذا هو قول الفقهاء والأئمة وهو القول المعروف عن سلف الأمة، وقول جمهور المسلمين ... ، فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومناظر ومفت وغير ذلك، إذا اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع كان هذا هو الذي كلفه الله إياه لكن قد يعلم الحق في نفس الأمر، وقد لا يعلمه" [31] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت