الصفحة 5 من 36

يقول شيخ الإسلام:"النقل نوعان: أحدهما: أن ينقل ما سمع أو رأى. والثاني: ما ينقل باجتهاد واستنباط. وقول القائل: مذهب فلان كذا، أو مذهب أهل السنة كذا، قد يكون نسبه إليه لاعتقاده أن هذا مقتضى أصوله، وإن لم يكن فلان قال ذلك. ومثل هذا يدخله الخطأ كثيرًا. ألا ترى أن كثيرًا من المصنفين يقولون: مذهب الشافعي أو غيره كذا ويكون منصوصه بخلافه؟ وعذرهم في ذلك: أنهم رأوا أن أصوله تقتضي ذلك القول فنسبوه إلى مذهبه، من جهة الاستنباط لا من جهة النص؟" [18] .

وقال أيضًا:"الواجب على من شرح الله صدره للإسلام إذا بلغته مقالة ضعيفة عن بعض الأئمة أن لا يحكيها لمن يتقلد بها، بل يسكت عن ذكرها إلى أن يتيقن صحتها، وإلا توقف في قبولها. فما أكثر ما يحكى عن الأئمة ما لا حقيقة له وكثير من المسائل يخرجها بعض الأتباع على قاعدة متبوعة، مع أن ذلك الإمام لو رأى أنها تفضي إلى ذلك لما التزامها" [19] . ويؤكد هذا الإمام الأوزاعي عمليًا فيقول:"لم يبلغنا أن أحدًا من التابعين تكلم في القدر إلا الحسن ومكحول فكشفنا عن ذلك فإذا هو باطل" [20] . ويقول السبكي:"فكثيرًا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها فيُغير على الكتاب والمؤلف ومن عاشره واستن بسنته ... ، مع أن المؤلف لم يرد ذلك الوجه الذي وصل إليه هذا الرجل" [21] .

رابعًا: تعدد المفاهيم للمقولة الواحدة:

قد يكون لقول القائل أكثر من مفهوم، ويحتمل أكثر من احتمال، فإذا صدر عن إمام كلام من هذا النوع، فيجب حمله على جانب الصواب، باعتبار عموم حاله.

ذكر شيخ الإسلام أن المقالة ينظر في شيئين منها: هل هي حق؟ أم باطل؟ أم تقبل التقسيم فتكون حقًا باعتبار، باطلًا باعتبار؟ وهو كثير وغالب؟ ثم النظر الثاني: في حكمه إثباتًا، أو نفيًا أو تفصيلًا، واختلاف أحوال الناس فيه. فمن سلك هذا المسلك أصاب الحق قولًا وعملًا، وعرف إبطال القول وإحقاقه وحمده [22] .

يقول السبكي:

"فإذا كان الرجل ثقة مشهودًا له بالإيمان والاستقامة فلا ينبغي أن يحمل كلامه، وألفاظ كتاباته على غير ما تعوّد منه ومن أمثاله، بل ينبغي التأويل الصالح وحسن الظن الواجب به وبأمثاله" [23] .

خامسًا: الاعتذار للمجتهد المخطئ لا يمنع بيان الحق والصواب:

إذا كان المجتهد معذورًا في اجتهاده إذا أخطأ، فهذا لا يمنع أن يبين الحق، وإن خالف ما ذهب إليه هذا المجتهد، إذ الجهة منفكة، فلدينا قول وقائل، فالتماس المعاذير للقائل، أما القول فلابد أن يوزن بميزان الشرع، ويوضح ما فيه من مجانبة الصواب.

يقول شيخ الإسلام:

"وإن كان المخطئ المجتهد مغفورًا له خطؤه، وهو مأجور على اجتهاده، فبيان القول والعمل الذي دل عليه الكتاب والسنة واجب وإن كان في ذلك مخالفة لقوله وعمله" [24] .

كما أن القول الذي ظهرت حجته بمستند صحيح لا يجوز العدول عنه إلى قول عالم آخر ربما يكون معه ما يدفع به هذه الحجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت