الصفحة 4 من 36

ويقول الإمام الذهبي:"ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأُ مغفور له قمنا عليه وبدعناه وهجرناه، لم سلم معنا ابن نصر، ولا ابن مندة، ولا من هو أكبر منهما، والله هو الهادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفضاضة" [8] .

وقال في ترجمة ابن خزيمة وذكر كتابه"التوحيد"وأنه تأول حديث الصورة قال:"ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه، وتوخيه لاتباع الحق أهدرناه وبدعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه" [9] .

وقال شيخ الإسلام:"فإن مسائل الدق في الأصول لا يكاد يتفق عليها طائفة إذ لو كان كذلك لما تنازع في بعضها السلف من الصحابة والتابعين، وقد ينكر الشيء في حال دون حال، وعلى شخص دون شخص" [10] .

أما المسائل الكبار التي استبانت بالكتاب والسنة وأجمع عليها سلف الأمة، فلا عذر للمخالف فيها، وهذا النوع لا وجود له - ولله الحمد والمنة - بين أهل السنة. يقول شيخ الإسلام:"وكانوا - يعني السلف - يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية، مع بقاء الألفة والعصمة، وأخوة الدين. نعم من خالف الكتاب المستبين، والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافًا لا يعذر فيه، فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع".

ثم ذكر خلاف الصحابة في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه، ومسألة سماع الأموات لدعاء الأحياء وفي الإسراء والمعراج، ونحو ذلك [11] .

ويقول ابن القيم:"ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح، وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتبع فيها ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين" [12] .

ويقول أيضًا:"فلو كان كل من أخطأ أو غلط ترك جملة وأهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها" [13] .

وقال الإمام الذهبي ملتمسًا العذر لقتادة في مسألة خالف فيها الصواب:"لعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده، ولا يُسأل عما يفعل. ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه، يغفر له زلله ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك" [14] .

ويقول ابن القيم أيضًا:"من قواعد الشرع والحكمة أيضًا أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يحتمل له ما لا يحتمل لغيره، ويعفى عنها ما لا يعفى عن غيره" [15] .

ثالثًا: ما ينقل عن الأئمة من أقوال مخالفة للصواب، كثير منه يكون الخطأ: إما في النقل أو في الفهم:

يقول شيخ الإسلام:"ولكن بعض الخائضين بالتأويلات الفاسدة يتشبث بألفاظ تنقل عن بعض الأئمة، وتكون إما غلطًا، أو محرفة" [16] .

وذكر ابن القيم أن أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة [17] . بل إن الخطأ المنقول عن بعض الأئمة لم يقله ابتداء، وإنما نسب إليه هذا القول بعض أتباعه لاعتقاده أن هذا مقتضى أصوله ويخرجها على قاعدة متبوعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت