الصفحة 3 من 36

لأحد الخروج عنها، ومن دخل فيها كان من أهل الإسلام المحض، وهم أهل السنة والجماعة، وما تنوعوا فيه من الأعمال والأقوال المشروعة فهو بمنزلة ما تنوعت فيه الأنبياء" [2] ."

كما أن الاختلاف في ذاته نوعان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد.

فاختلاف التنوع ما أشار إليه الإمام الشافعي بقوله:"ما كان من ذلك يحتمل التأويل ويُدْرَك قياسًا، فذهب المتأول أو القايس إلى معنى يحتمله الخبر أو القياس وإن خالفه فيه غيره" [3] .

ومن ذلك كون كل من القولين هو في معنى الآخر لكنّ العبارتين مختلفتان، أو يكون المعنيان متغايرين، لكن لا يتنافيان.

وهذا النوع من الخلاف غاية ما يقال للمخطئ فيه: أخطأت، لا يقال له: كفرت ولا جحدت، ولا ألحدت، لأن أصله موافق للشريعة.

ونقل الإمام الشاطبي عن أحد العلماء قوله:"كل مسألة حدثت في الإسلام واختلف الناس فيها، ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء، ولا فرقة، علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة حدثت وطرأت فأوجبت العداوة والبغضاء والتدابر والقطيعة علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء ا. هـ" [4] .

وما جرى الخلاف فيه عند أهل السنة جلّه، إن لم يكن كله، من هذا النوع - اختلاف التنوع -. يقول شيخ الإسلام:"فأما سائر وجوه الاختلاف كاختلاف التنوع والاختلاف الاعتباري واللفظي، فأمره قريب، وهو كثير، أو غالب على الخلاف في المسائل الخبرية ا. هـ" [5] .

أما اختلاف التضاد: وهو القولان المتنافيان، مثل: أن يوجب أحدهما شيئًا ويحرمه الآخر. وخلاف أهل البدع في مسائل أصول الدين من هذا النوع، وكذا الخلاف في كل مسألة أقام الله لها الحجة في كتابه، أو على لسان نبيه، نصًا بينًا لا يحتمل الاجتهاد أو التأويل [6] .

ثانيًا: الخطأ في دقائق المسائل وآحادها لا يلزم منه التبديع والتضليل:

قديمًا قيل: كفى المرء نبلًا أن تعد معائبه.

ومن الذي سلمت أقواله جميعها وأفعاله من الخطأ سوى من لا ينطق عن الهوى ولولا ذلك لما كانت العصمة من خصائص الرسل. وإذا كنا نعتقد أن الحق واحد لا يتعدد والمصيب في ذلك واحد، ومع ذلك اختلف الصحابة في دقائق المسائل - كما سيأتي في هذا المبحث - كمسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه، وكمسألة الإسراء والمعراج ونحوهما، ومع ذلك لم يبدع بعضهم بعضًا، ولم يحكم بعضهم على بعض بالضلال.

قال شيخ الإسلام:

"ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة، وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكبر فضلاء هذه الأمة. وإذا كان الله يغفر لمن جهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل، مع كونه لم يطلب العلم فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق أن يتقبل الله حسناته، ويثيبه على اجتهاداته ولا يؤاخذه بما أخطأ ..." [7] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت