من الصفات الثابتة لله عزوجل بصريح وصحيح السنة صفة الضحك، ومما ورد في ذلك:
ما ثبت عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة ... الحديث" [144] .
وعنه - رضي الله عنه - قال: في حديث طويل في قصة آخر من يدخل الجنة، وفيه:"فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله عزوجل منه، ثم يأذن له في دخول الجنة ... الحديث" [145] .
وعن جابر - رضي الله عنه - في حديث في صفة الجنة، وفيه:"فيقول: أنا ربكم فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم يضحك .. الحديث" [146] .
فأهل السنة يثبتون مضمون هذه الأحاديث من إثبات صفة الضحك حقيقة لله عزوجل على الوجه اللائق به سبحانه، كسائر صفاته [147] .
لكن الإمام ابن عبدالبر - رحمه الله - فسر الضحك المضاف إلى الله بما يوحي أنه أوّل ذلك، حيث قال عند حديث"يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما آخر ... الحديث".
قال:"وأما قوله: يضحك الله: فمعناه يرحم عبده عند ذاك، ويتلقاها بالروح والراحة والرحمة والرأفة، وهذا مجاز مفهوم" [148] .
ولا شك أن تأويل الضحك خطأ كسائر تأويل بقية الصفات، لكن لعله يلتمس لابن عبدالبر عذر في ذلك، أنه فسر الصفة ببعض لوازمها ومدلولاتها، وهذا سائغ عند السلف.
قال شيخ الإسلام:"إن من عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض صفات المُفسَّر من الأسماء أو بعض أنواعه، ولا ينافي ذلك ثبوت بقية الصفات للمسمى؛ بل قد يكونان متلازمين" [149] .
وأوضح بعض مدلولات هذه الصفة - صفة الضحك -، فقال عند قول أبي رزين"لن نعدم من رب يضحك خيرًا" [150] قال:"فجعل الأعرابي العاقل بصحة فطرته ضحكه دليلًا على إحسانه وإنعامه، فدل على أن هذا الوصف مقرون بالإحسان المحمود، وأنه من صفات الكمال" [151] .
وقال ابن القيم:"عادة السلف أن يذكر أحدهم في تفسير اللفظة بعض معانيها، أو لازمًا من لوازمها، أو الغاية المقصودة منها، أو مثالًا ينبه السامع على نظيره، وهذا كثير في كلامهم لمن تأمله" [152] . ولعل هذا العذر لابن عبدالبر سائغ، خاصة إذا علم أن عموم منهجه الإنكار الشديد على من أوّل الصفات [153] ، إضافة إلى أنه أثبت ما يماثلها من الصفات الأخرى [154] ، وأيضًا فقد نقل عن جمع من الأئمة التصريح بإثبات هذه الصفة ولم ينكر ذلك أو يتعقبه [155] .
الخاتمة
الحمدلله أولًا وآخرًا وعلى كل حال، وبعد:
ففي ختام هذه الوريقات يمكن إيجاز أهم النتائج فيما يلي:
1 -أن الخلاف سنة من سنن الله في خلقه.