ومن نفى الحدّ من الأئمة فمراده أن الخلق لا يحويه ولا تحيط به الأبصار بحده ولا غايته. قال القاضي أبو يعلى في توجيه كلام الإمام أحمد في إطلاق الحد، أنه محمول على معنيين:
"أحدهما: أنه تعالى في جهة مخصوصة، وليس هو تعالى ذاهبًا في الجهات بل خارج العالم، متميز عن خلقه، منفصل عنهم، غير داخل في كل جهة، وهذا معنى قول أحمد: له حد لا يعلمه إلا هو. والثاني: أنه على صفة يبين بها عن غيره ويتميز ..." [131] .
وقال شيخ الإسلام بعد أن أورد كلام الإمام أحمد في نفي الحد:"وما في هذا الكلام من نفي تحديد الخلق وتقديرهم لربهم وبلوغهم صفته لا ينافي ما نص عليه أحمد وغيره من الأئمة - ثم ذكر ما روي عن ابن المبارك والإمام أحمد في إثبات الحد، ثم قال:- فلم ينفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا علم الخلق به ..." [132] .
وقال أيضًا في توجيه كلام الإمام أحمد:"حيث نفى تحديد الحادّ له وعِلْمه بحده وحيث أثبته، أثبته في نفسه" [133] .
المسألة التاسعة: تفسير {يوم يكشف عن ساق} : [القلم: 42]
ذكر شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن الصحابة لم يتنازعوا في شيء هل هو من الصفات أم لا؟ في غير هذا الموضع. ولم يذكرا عن أحد من الصحابة سوى قول ابن عباس من أن معنى قوله"عن ساق"أي: شدة، ونسب أبو يعلى هذا القول أيضًا إلى الحسن [134] .
وقبلهم ابن مندة حيث ذكر أن الصحابة اختلفوا في معنى هذه الآية، ولم يذكر أحدًا منهم [135] .
وعند التأمل تبين أن كل ما روي عن ابن عباس في ذلك لا يصح [136] .
وعلى فرض صحته فيحتمل أحد أمرين كما ذكر ذلك أبو يعلى حيث قال:"والذي روي عن ابن عباس والحسن، فالكلام عليه من وجهين: أحدهما أن يحتمل أن يكون هذا التفسير منهما على مقتضى اللغة، وأن الساق في اللغة هو الشدة ولم يقصد بذلك تفسيره في صفات الله تعالى في موجب الشرع."
الثاني: أنه يعارض ما قاله ابن مسعود - وذكر قول ابن مسعود في الآية وأن معاناها: يكشف عن ساقيه جلّ ذكره -" [137] ."
قال شيخ الإسلام مؤيدًا الوجه الأول:"ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات، فإن قال: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: 42] نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر" [138] .
وقال في موضع آخر:"وذلك أنه ليس في ظاهر القرآن أن ذلك صفة لله لأنه قال: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: 42] ولم يقل: عن ساق الله، ولا قال: يكشف الرب عن ساقه وإنما ذكر ساقًا نكرة غير معرفة ولا مضافة، وهذا اللفظ بمجرده لا يدل على أنها ساق لله والذين جعلوا ذلك من صفات الله تعالى أثبتوه بالحديث الصحيح المفسر للقرآن، وهو حديث أبي سعيد الخدري المخرج في الصحيحين الذي قال فيه:"فيكشف الرب عن ساقه" [139] ، وقد يقال: إن ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود والسجود لا يصلح إلا لله، فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه. وأيضًا فحمل ذلك على الشدة لا يصح؛ لأن المستعمل في الشدة أن يقال: كشف الله الشدة. أي: أزالها ..." [140] .