وقال في موضع آخر:"والصواب قول السلف: إنه ينزل، ولا يخلو منه العرش وروح العبد في بدنه لا تزال ليلًا ونهارًا إلى أن يموت، ووقت النوم تعرج، وقد تسجد تحت العرش وهي لم تفارق جسمه، وكذلك أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وروحه في بدنه وأحكام الأرواح مخالف لأحكام الأبدان فكيف بالملائكة؟ فكيف برب العالمين؟ ... اهـ" [123] .
وقال رحمه الله في ترجيحه للقول الثالث وتضعيف القول الأول:"وفي الجملة: فالقائلون بأنه يخلو منه العرش طائفة قليلة من أهل الحديث، وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش وهو المأثور عن الأئمة المعروفين بالسنة، ولم ينقل عن أحد منهم بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه ..." [124] .
المسألة الثامنة: إطلاق الحدّ على الله:
من المسائل التي جرى الخلاف فيها عند أهل السنة نسبة الحدّ لله، فمنهم من أطلقه على الله، ومنهم من نفاه:
والحَدُّ: الفصل بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر، وفصل ما بين الشيئين ومنتهى الشيء وطرفه حدّه، ومنه حدود الحرم، وحدود الأرض، كذلك يطلق على ما يتميز به الشيء عن غيره من صفة وقدر، فيقال: حد الإنسان، وهي الصفات المميزة [125] .
وقد ذهب بعض العلماء إلى القول بإثبات الحد لله، وممن قال بذلك: عبدالله بن المبارك والإمام الدارمي، وإسحاق بن إبراهيم، وحرب بن إسماعيل، ويحيى بن عمار، والقاضي أبو يعلى، والإمام أحمد في رواية.
قيل لابن المبارك: بم نعرف ربنا؟ قال:"بأنه على العرش، بائن من خلقه".
قيل: بحد؟ قال: بحد" [126] ."
وقال الدارمي:"والله تعالى له حدّ لا يعلمه أحد غيره، ولا يجوز لأحد أن يتوهم لحده غاية في نفسه، ولكن نؤمن بالحد ونكل علم ذلك إلى الله" [127] .
كما ذهب بعض العلماء إلى القول بنفي الحد عن الله، ومن هؤلاء: ابن حبان وأبو سليمان الخطابي، وابن الماجشون، وابن نصر، وأبو حاتم البستي والطحاوي ويحيى بن معين، والإمام أحمد في رواية، وغيرهم [128] .
والذي يظهر بعد التأمل أن لا تعارض بين القولين كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام وذلك أن الحدّ من الألفاظ المجملة التي يراد بها معنى صحيحًا، وقد يراد بها معنى باطلًا.
فمن أثبت الحدّ من السلف فمراده بذلك أنه له حد يتميز به عن سائر المخلوقات، وأن بينه وبين المخلوقات انفصالًا ومباينة، فليس مختلطًا ممتزجًا بهم فالحدّ على هذا هو: ما يتميز به الشيء عن غيره بالقدر والصفات، فالذين أثبتوا الحدّ من الأئمة مرادهم الرد على الجهمية الذين زعموا أن الله مختلط ممتزج بالخلق ولهذا يروى أن امرأة جهم لما سمعت رجلًا يقول: الله على عرشه، قالت:"محدود على محدود. فقال الأصمعي: كافرة بهذه المقالة" [129] .
وقال الدارمي في الرد على المريسي:"باب الحدّ والعرش. وادعى المعارض أيضًا أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية، وهذا الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته، واشتق منه أغلوطاته، وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهمًا إليها أحد من العالمين، فقال له قائل ممن حاوره: قد علمت مراده أيها الأعجمي، وتعني أن الله لا شيء، لأن الخلق كلهم علموا أنه ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلا له حد وغاية وصفة ... ، وقولك: لا حد له، يعني أنه لا شيء. اهـ" [130] .