ولعل الراجح من هذه الأقوال القول الرابع، وذلك أن لفظ"الحركة"لفظ مجمل لم يرد في إثباته ولا نفيه نص؛ إذ لو ورد في ذلك نص صحيح صريح كان فيصلًا في المسألة، فلما لم يرد شيء من هذا، وجب التوقف والإمساك كما هي الحال في كثير من الألفاظ المجملة.
وهذا ما رجحه الإمام ابن القيم، وأشار إليه شيخ الإسلام، حيث قال - بعد أن حكى الأقوال في المسألة -:"والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص فيثبت ما أثبته الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، وينفي ما نفاه الله ورسوله كما نفاه وهو أن يثبت النزول والإتيان والمجيء، وينفي المثل، والسمي، والكفؤ، والند ... اهـ" [117] .
وذكر أن الحركة لها عدة معان، فهي جنس تحته أنواع: فهناك الحركة في الكيف والحركة وفي الكم، والحركة في الوضع، والحركة في الأين، وهي الحركة المكانية.
وذكر أن أهل اللغة يطلقون لفظ الحركة على جنس الفعل، فكل من فعل فعلًا فقد تحرك عندهم [118] .
ولما كان لفظ"الحركة"يحتمل جميع هذه المعاني، وليس ثمّ نص صريح في المسألة، جزم ابن القيم بترجيح القول بالإمساك عن النفسي والأثبات وانتصر له.
يقول في ذلك:"وأما الذين أمسكوا عن الأمري، وقالوا: لا نقول يتحرك وينتقل ولا ننفي ذلك، فهم أسعد بالصواب والاتباع، فإنهم نطقوا بما نطق به النص وسكتوا عما سكت عنه، وتظهر صحة هذه الطريقة ظهورًا تامًا فيما إذا كانت الألفاظ التي سكت النص عنها مجملة، محتملة لمعنيين صحيح وفاسد كلفظ الحركة والانتقال، والجسم، والحيز، ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حق وباطل فهذه لا تقبل مطلقًا ولا ترد مطلقًا، فإن الله سبحانه لم يثبت لنفسه هذه المسميات ولم ينقلها عنه، فمن أثبتها مطلقًا فقد أخطأ، ومن نفاها مطلقًا فقد أخطأ" [119] .
المسألة السابعة: هل يخلو منه العرش إذا نزل؟
اختلف أهل السنة في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: قول من قال: إن العرش يخلو منه. وإلى هذا ذهب عبدالرحمن بن محمد بن مندة، الإمام المحدث المشهور، وألف مصنفًا في الرد على من قال بعدم خلو العرش منه.
القول الثاني: التوقف، فلا يقال يخلو، ولا لا يخلو. وإلى هذا ذهب الحافظ عبدالغني المقدسي، وبعض أهل الحديث.
القول الثالث: قول من قال: إن العرش لا يخلو منه. وهذا مذهب جمهور أهل السنة ونقل ذلك عن الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وحماد بن زيد وعبيدالله بن بطة وغيرهم [120] .
وقد ذكر شيخ الإسلام أن توقف أصحاب القول الثاني: إما لشكهم في ذلك وأنهم لم يتبين لهم جواز أحد الأمرين، وإما مع كون الواحد منهم قد ترجح عنده أحد الأمرين لكن يشك في ذلك لكونه ليس في الحديث، ولما يخاف من الإنكار عليه [121] .
وقد رجح القول الثالث، حيث قال:"والقول الثالث: وهو الصواب، وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها: أنه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه، مع دنوه، ونزوله إلى سماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه، وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف فوقهم، بل الله منزه عن ذلك. . . اهـ" [122] .