الصفحة 16 من 36

المسألة الخامسة: هل يصح أن يقال: ينزل الله بذاته أم لا؟

ذهب بعض العلماء إلى القول بأن الله ينزل بذاته، كما روى ذلك ابن عبدالبر عن نعيم بن حماد [110] ، ونقله أيضًا شيخ الإسلام عن عبدالرحمن بن مندة [111] .

أما ابن القيم فذكر أن أهل السنة اختلفوا في جواز إطلاق القول بأن الله ينزل بذاته على ثلاثة أقوال:

منهم من قال: إنه ينزل بذاته، وعزاه لأبي القاسم الأصبهاني، ونقل عن شيخ الإسلام أن هذا قول طوائف من أهل الحديث والسنة.

ومنهم من قال: لا ينزل بذاته. والطائفة الثالثة قالت: ينزل، ولا تقول بذاته ولا بغير ذاته بل تطلق اللفظ كما أطلقه الرسول صلى الله عليه وسلم وتسكت كما سكت عنه [112] .

ومن أعظم ما استدل به أصحاب القول الأول حديث أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أراد الله أن ينزل عن عرشه نزل بذاته"، والحديث لا يصح ولا يصلح للاستدلال [113] . قال شيخ الإسلام بعد أن ذكر كلام ابن مندة وأورد هذا الحديث:"قلت: ضعف أبو القاسم إسماعيل التيمي وغيره من الحفاظ هذا اللفظ مرفوعًا، ورواه ابن الجوزي في"الموضوعات"، وقال أبو القاسم التيمي: (ينزل) معناه صحيح أنا أقر به، لكن لم يثبت مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يكون المعنى صحيحًا، وإن كان اللفظ نفسه ليس بمأثور، كما لو قيل: إن الله هو بنفسه وذاته خلق السماوات والأرض، وهو بنفسه وذاته كلم موسى تكليمًا، وهو بنفسه وذاته استوى على العرش، ونحو ذلك من أفعاله التي فعلها هو بنفسه وهو نفسه فعلها، فالمعنى صحيح، وليس كل ما بُيِّن به معنى القرآن والحديث من اللفظ يكون من القرآن مرفوعًا. اهـ" [114] . ولعل أثبات النزول مع الإمساك عن القول بذاته أو بغير ذاته هو الأقرب تمشيًا مع النصوص، ويحمل قول من أطلقه أنه أراد بذلك تحقيق القول بالنزول والرد على المبتدعة ممن ينكر ذلك، أو يقول إنه في كل مكان، كما ألمح إلى شيء من هذا شيخ الإسلام في كلامه السابق [115] .

المسألة السادسة: هل النزول بحركة أم بغير حركة؟

أختلف أهل السنة في هذه المسألة على أربعة أقوال:

القول الأول: إن النزول يكون بحركة وانتقال. وهذا ما ذهب إليه الإمام الدارمي وهو قول أبي عبدالله ابن حامد، وحرب بن إسماعيل الكرماني.

القول الثاني: نفي أن يكون النزول بحركة وانتقال. وهذا ما ذهب إليه أبو سليمان الخطابي، وهو قول أبي الحسن التميمي، وابنيه عبدالواحد وعبدالوهاب، وابن الزاغواني.

القول الثالث: إثبات المعنى، مع عدم إطلاق اللفظ لعدم مجيء الأثر به، وهو مذهب بعض أهل الحديث، كما ذكره ابن عبدالبر وغيره [116] .

القول الرابع: الإمساك في هذه المسألة، فلا يقال: بحركة، ولا بغير حركة.

وهذا ما ذهب إليه الإمام ابن بطة، وهو قول أبي بكر عبدالعزيز بن جعفر - صاحب الخلال - وهو اختيار كثير من أهل الحديث والفقهاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت