الصفحة 15 من 36

وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالنفس في هذه النصوص وغيرها هي الذات نفسها المتصفة بالصفات، وليست صفة للذات. قالوا: وهذا معروف عند العرب إذ يقولون: هذا الشيء نفسه، ويريدون ذاته وحقيقته [99] .

وهذا هو المفهوم من كلام الدارمي، وهو ما قرره شيخ الإسلام ورجحه حيث قال:

"ويراد بالنفس الشيء ذاته وعينه، كما يقال: رأيت زيدًا نفسه وعينه، ثم ساق بعض نصوصه التي في هذا المعنى - ثم قال: فهذه المواضع المزاد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء: الله نفسه، التي هي ذاته المتصفة بصفاته، ليس المراد بها ذاتًا منفكة عن الصفات ولا المراد بها صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات وكلا القولين خطأ". اهـ [100] .

المسألة الرابعة: صفة النزول:

تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم إثبات نزول الرب تبارك وتعالى [101] ، ومن أصرح ما ورد في ذلك نزوله سبحانه إلى سماء الدنيا كل ليلة، حيث رواه اثنا عشر صحابيًا [102] ، إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له" [103] .

وقد ذهب بعض أهل السنة إلى تأويل هذا النزول المنسوب لله عزوجل في مثل هذه النصوص.

قال شيخ الإسلام:"وقد تأول قوم من المنتسبين إلى السنة والحديث النزول وما كان نحوه من النصوص التي فيها فعل الرب اللازم: كالإتيان والمجيء والهبوط ونحو ذلك، ونقلوا في ذلك قولًا لمالك ولأحمد بن حنبل ..."ثم أوضح أن هذا لا يصح عنهما [104] .

وأيضًا فقد ألمح إلى أن ابن قتيبة يميل إلى تأويل ذلك [105] .

وقال ابن عبدالبر:"وقال قوم من أهل الأثر أيضًا إنه ينزل أمره، وتنزل رحمته" [106] .

أما جمهور أهل السنة، وسلف الأمة فقد أثبتوا هذه الصفة لله حقيقة كما يليق بجلاله وعظمته لا يماثل نزول المخلوقين، من غير تأويل ولا تكييف.

قال ابن عبدالبر:"والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون ينزل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصدقون بهذه الأحاديث ولا يكيفون ..." [107] .

أما ما ألمح إليه شيخ الإسلام من أن ابن قتيبة يميل إلى تأويل هذه الصفة فالذي يظهر من كلامه أنه فسر النزول بمفهومه اللغوي أنه يحتمل الانتقال، ويحتمل القصد، قال ذلك بعد أن قرر أن نزول الرب لا يمكن تكييفه، حيث قال:"فإن قيل لنا كيف النزول منه جل وعز؟ قلنا: لا نحتم على النزول منه بشيء، ولكنها نبين كيف النزول منها وما تحتمله اللغة من هذا اللفظ، والله أعلم بما أراد ... - ثم فَصَّل في ذكر المعنيين الآنفي الذكر -" [108] .

ويؤيد ذلك أنه شرح بإثبات هذه الصفات كما هي الحال في بقية الصفات:

قال - رحمه الله -:"وعدل القول في هذه الأخبار - يعني أخبار الصفات - أن نؤمن بما صح منها بنقل الثقات لها، فنؤمن بالرؤية والتجلي وأنه يعجب وينزل إلى السماء وأنه على العرش استوى وبالنفس واليدين، من غير أن نقول في ذلك بكيفية أوحد أو أن نقيس ..." [109] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت