الصفحة 14 من 36

ومن أعظم ما استند إليه الجمهور في كون الضمير عائدًا إلى الله، ما جاء صريحًا من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن" [90] .

قال أبو بكر المروذي: قلت لأبي عبدالله - يعني الإمام أحمد -: كيف تقول في حديث النبي صلى الله عليه وسلم"خلق الله آدم على صورته"؟ قال:"أما الأعمش فيقول: عن حبيب بن أبي ثابت - وساق حديث ابن عمر بسنده - ثم قال: فنقول كما جاء الحديث - يعني: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن -" [91] .

وقد أنكر العلماء على ابن خزيمة تأويل هذا الحديث بإعادة الضمير على غير الله وخطؤوه في ذلك. نقل شيخ الإسلام عن محمد بن عبدالملك الكرجي الشافعي في كتاب"الفصول والأصول"قوله:"فأما تأويل من لم يتابعه عليه الأئمة فغير مقبول، وإن صدر ذلك التأويل عن إمام معروف غير مجهول، نحو ما ينسب إلى أبي بكر محمد بن خزيمة تأويل الحديث:"خلق آدم على صورته"فإنه يفسر ذلك بذلك التأويل، ولم يتابعه عليه من قبله من أئمة الحديث لما روينا عن أحمد ولم يتابعه أيضًا من بعده، حتى رأيت في"كتاب الفقهاء"للعبادي الفقيه، أنه ذكر الفقهاء، وذكر عن كل واحد منهم مسألة تفرد بها فذكر الإمام ابن خزيمة وأنه تفرد بتأويل هذا الحديث ... ، فهذا وأمثال ذلك من التأويل لا نقبله ولا نلتفت إليه بل نوافق ونتابع ما اتفق الجمهور عليه ... اهـ" [92] .

ونقل شيخ الإسلام عن أبي موسى المديني فيما نقله عن قوام السنة قوله:"أخطأ محمد بن إسحاق بن خزيمة في حديث الصورة، ولا يطعن عليه بذلك، بل لا يؤخذ عنه هذا فحسب. قال أبو موسى: أشار بذلك إلى أنه قل من إمام إلا وله زلة فإذا ترك ذلك الإمام لأجل زلته، ترك كثير من الأئمة، وهذا لا ينبغي أن يفعل. اهـ" [93] .

وقال الذهبي - أثناء ترجمته لابن خزيمة -:"وكتابه في التوحيد مجلد كبير وقد تأويل في ذلك حديث الصورة، فليعذر من تأول بعض الصفات ... ، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاد - مع صحة إيمانه، وتوخيه لاتباع الحق - أهدرناه وبدعناه لقل من يسلم من الأئمة معنا. رحم الله الجميع بمنه وكرمه. اهـ" [94] .

المسألة الثالثة: إضافة النَّفْس لله:

وردت بعض النصوص التي اشتملت على إضافة النفس لله، ومن ذلك:

قوله تعالى: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 12] ، وقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28] ، وقوله: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116] .

وحديث:"أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ..." [95] ، وحديث:"كتب في كتابه على نفسه ..." [96] . وحديث:"سبحان الله رضا نفسه ..." [97] ، ونحو ذلك.

اختلف العلماء في النفس المنسوبة لله في هذه النصوص، هل هي الذات نفسها؟ أم صفة زائدة على الذات؟

فذهب بعض العلماء إلى أن النفس المنسوبة لله في هذه النصوص وغيرها صفة من صفات الله تعالى، وممن ذهب إلى ذلك: الإمام ابن خزيمة، والإمام أبو حنيفة وابن بطة، وأبو عبدالله بن خفيف، وعبدالغني المقدسي، والبغوي، وابن قتيبة.

قال الإمام أبو حنيفة:"وله يد ووجه ونفس، كما ذكر الله تعالى في القرآن فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس، فهو له صفات، بلا كيف. اهـ" [98] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت