الصفحة 13 من 36

وهؤلاء أرادوا أن الاسم ليس هو اللفظ، بل هو المراد باللفظ، فإنك إذا قلت: (( يا زيد ) )فليس مرادك دعاء اللفظ، بل المراد دعاء المسمى باللفظ، فصار المراد بالاسم هو المسمى [82] . وذهب بعض العلماء إلى أن السم من المسمى وممن قال بذلك: أبو بكر بن أبي داود السجستاني، حيث روى عنه اللالكائي أنه قال:"من زعم أن الاسم غير المسمى فقد زعم أن الله غير الله، وأبطل في ذلك ... ، ولا نقول: اسمه هو، بل نقول اسمه منه. اهـ" [83] . وهؤلاء أرادوا الرد على أهل البدع الذين قالوا: (( أسماء الله غير الله ) )ومقصودهم أن أسماء الله مخلوقه، وذلك أن ما سوى الله مخلوق، وأسماء الله غير الله. فرد عليهم هؤلاء بأن أسماء الله ليست مخلوقة، فالاسم هنا من المسمى. أما المخلوق فإن الاسم في حقه غير المسمى وذلك أن الرجل يسمى محمود وهو مذموم أما الله فاسمه منه [84] .

ذهب أكثر أهل السنة إلى أن الاسم للمسمى. قال شيخ الإسلام:"وأما الذين يقولون: إن الاسم للمسمى كما يقوله أكثر أهل السنة، فهؤلاء وافقوا الكتاب والسنة والمعقول" [85] . واستدل هؤلاء بقوله تعالى {وَلِلَّهِ الاسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الأعراف: 180] ، وقوله سبحانه: {اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الاسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه: 8] ، وقوله جل وعلا: {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الاسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن لله تسعة وتسعين اسما"**

وهذه الأقوال الثلاثة متفقه في المعنى العام والمضمون، فمؤداها واحد، لكن القول الثالث هو الذي وافق النصوص في اللفظ، فلعله الراجح في المسألة، والله أعلم.

المسألة الثانية: خَلْقُ الله آدم على صورته:

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته" [86] .

اختلف في عَود الضمير في هذا الحديث وما في معناه:

فذهب بعض الأئمة إلى القول بأن الضمير في هذا عائد على غير الله، وممن قال بذلك: الإمام ابن خزيمة، وأبو ثور، وأبو الشيخ الأصبهاني [87] .

قال ابن خزيمة:"توهم بعض من لم يتحر العلم أن قوله:"على صورته"يريد: صورة الرحمن - عزوجل - عن أن يكون هذا معنى الخبر، بل معنى قوله:"خلق آدم على صورته": الهاء في هذا الموضع كناية عن اسم المضروب، والمشتوم أراد صلى الله عليه وسلم أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب ..." [88] .

وذهب جمهور أهل السنة وسلف الأمة إلى أن الضمير عائد إلى الله تعالى.

قال شيخ الإسلام:"والكلام على ذلك أن يقال: هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها تدل على ذلك ..."

ولكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثانية، جعل طائفة الضمير فيه عائدًا إلى غير الله تعالى، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة، في عامة أمورهم: كأبي ثور، وابن خزيمة، وأبي الشيخ الأصبهاني وغيرهم، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة" [89] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت