الصفحة 4 من 112

وقد شوهد منذ القدم أن طبيعة السحر غير طبيعة العبادة في أساسها ، لأن السحر منوط أبدا بالأمور الخبيثة والوسائل الدنسة والنفايات التي تعاف وتنبذ في الخفاء ، ولم تخل العبادة قط من توسل إلي الخير ورجاء في كرم المعبود ، وقلما تخلو من (تطهر) بنوع من أنواع الطهارة يناقض وسائل السحر الخبيث ، فكأنما فرق الناس بين العبادة والسحر عندما فرقوا بين الأرباب المرجوة والأرباب المرهوبة ، فاتخذوا العبادة لأرباب الخير والمحبة واتخذوا السحر لأرباب الشر والبغضاء .

والأكثرون من ناقدي الأديان يعللون العقيدة الدينية بضعف الإنسان بين مظاهر الكون وأعداءه فيه من القوي الطبيعية والأحياء ، فلا غني له عن سند يبتدعه ابتداعا ليستشعر الطمأنينة بالتعويل عليه والتوجه إليه بالصلوات في شدته وبلواه .

علي أن القول بضعف الإنسان تحصيل حاصل إن أريد به بطلان العقيدة الدينية وإثبات التعطيل . لأن الإنسان ضعيف علي كلي الفرضين فليس من شأن ضعفه أن يرجح أحد الفردين علي الآخر .

فإذا ثبت أن من خلق إله فعال قدير فهو ضعيف بالنسبة لخالقه ، وإذا لم يثبت ذلك فهو ضعيف بالنسبة إلي الكون ومظاهره وقواه . فماذا لو كان قويا مستغنيا عن قوي العالم ؟ أيكون ذلك أدعي إلي إثبات العقيدة الدينية والإيمان بالله ؟ .

إننا إذا حكمنا ببطلان العقيدة الدينية لضعف الإنسان فقد حكمنا ببطلانها علي كل حال ، ثبت وجود الله أو لم يثبت بالحس أو البرهان ..! لأنه لن يكون إلا ضعيفا بالنسبة إلي الخالق الذي يبدعه ويرعاه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت