الصفحة 5 من 112

لكن الواقع أن الضعف لا يعلل العقيدة الدينية كل التعليل لأنها تصدر من غير الضعفاء بين الناس . وليس أوفر الناس نصيبا من الضعف الإنساني سواء أردنا ضعف الرأي أو ضعف العزيمة فقد كان الأنبياء والدعاة إلي الأديان أقوياء من ذوي البأس والخلق المتين والهمة العالية والرأي السديد . ومهما يكن من الصلة بين ضعف الإنسان واعتقاده فهو لا يزداد اعتقادا كلما ازداد ضعفا ولا يضعف علي حسب نصيبه من الاعتقاد ، ومازال ضعفاء النفوس ضعفاء العقيدة وذوو القوة في الخلق ذوي قوة في العقيدة كذلك .

فليس معدن الإيمان من معدن الضعف في الإنسان ، وليس الإنسان المعتقد هو الإنسان الواهي الهزيل ، ولا إمام الناس في الاعتقاد إمامهم في الوهن والهزال .

وإذا رجح الأمر بأن العقيدة (ظاهرة اجتماعية) يتلقاها الفرد من الجماعة فليس الضعف إذن بالعامل الملح في تكوين الاعتقاد . لأن الجماعة تحارب الجماعة بالسلاح المصنوع وقوة الجنان مع القوة العددية ، وتقيس النصر والهزيمة بهذا المقياس المعلوم ، فلا تلجأ إلي مقياس العقيدة المجهول إلا إذا آمنت به باعث التسلح والاستقواء .

ورأي فرويدFreud قريب من رأي هؤلاء الذين يردون العقيدة الدينية إلي شعور بالخوف في وسط العناصر الطبيعية وربما اختلط به مزيج من الغريزة الجنسية في بعض المتهوسين وذوي الأعصاب السقيمة . فإن حب الله -كما يفسره فرويد عند هؤلاء- هو بمثابة الحب الجنسي في حالة (التسامي) أو حالة الحماسة ، وتتشابه العوارض كلها مع هذا الفارق بين الحبين

ومن الواضح أن حالة (التسامي) هي آخر ما ارتقت إليه الديانات ، فلا يمكن أن يقال إنها هي ينبوع العقيدة الهمجية الأولي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت