وفي حسبان الأستاد سينل أن تلقي الأحاسيس علي البعد ضرورة حيوية في الأحياء الدنيا ، فهي من أجل هذا أقدر علي استخدام هذه الحاسة . ومما نقله عن العالم الطبيعي الفرنسي الكبير جان هنري فابر Fabre (إنه وجد ذات يوم يرقة نوع كبير من الحشرات فحملها إلي منزله ووضعها داخل صندوق في غرفة مكتبه ، وبينما هو جالس في غرفة الطعام ذات ليلة اذ دخل عليه خادمه فزعا وأخبره أن غرفة مكتبه امتلأت بفوج كبير من الذباب الضخم فلما ذهب ليري ما حدث وجد أن يرقته -وكانت أنثي- قد خرجت من هذا الطور وأن عددا كبيرا من ذكورها يحوم حول الصندوق . واما كانت كلها من نوع غير مألوف في هذه المنطقة فقد حكم بأنه لابد جائت من مكان سحيق . فأغلق النافذة وأمسك بها جميعا وعددها خمسة عشر ذكرا . وأراد أن يعرف هل استعانت هذه الذكور في حضورها بحاسة الشم أو لم تستعن بها ، فنزع منها ملامسها ، وهي الأعضاء التي تحمل هذه الحاسة ، ثم وضع الذكور في كيس ووضع الكيس في قمطر ، وفي صباح اليوم التالي نقلها إلي غابة تبعد نحو الميلين ، وأطلق سراح الذكران جميعا ، ولكنها لم تلبس بعد الغسق أن شوهدت كلها متجمهرة في حجرة مكتبه لم يتخلف واحد منها . عندئذ أيقن أن حاسة الشم ام تكن النبراس الذي اهتدت به الذكور إلي مكان الأنثي) (2) .
فالأستاذ سينل كما نري لا يتأثر في إ_ثباته لقدرة الكشف والشعور علي البعد بإيمانه بوجود الروح أو العقل المجرد ، ولا يعتمد في تجربة من تجاربه الكثيرة علي تعليل غير التعليل الجسدي والمباحث الطبيعية ، وقد سبقه إلي التنويه بشأن الحسم الصنوبري فيلسوف كبير من المؤمنين بالقوة الروحية والقائلين بالتفرقة بينها وبين الكائنات المادية ، وهو رينيه ديكارت الذي يلقب بأبي الفلسفة الحديثة ، فإنه اعتقد أن الجسم الصنوبري هو الجهاز (الموصل) بين الروح والجسد ، أو هو موضع التلاقي بين حركة الفكر وحركة الأعضاء .