الصفحة 17 من 112

وقد امتزجت عقيدة الروح بكل عقيدة دينية بعد أطوار العقيدة البدائية وفي أثنائها ، فعبادة الأسلاف لا تخطر علي بال ما لم تخطر معها فكرة بقاء الأرواح ، وإنما تترقي الأ؟نماط علي حسب الترقي في المعارف والمعقولات . فالهمجي الذي جهل أسرار التناسل قد يتخذ له جدا معبودا يتمثله في شبح الأسد أو الكلب أو الصقر أو العقاب ، ولا ينكر أن يكون أبوه من سلالة الحيوان جسدا وروحا بغير مجاز ، لأنه لا يفقه المانع الذي يمنع الروح أن تسكن جسم حيوان كما تسكن جسم إنسان . والحضري الذي تهذب واستطلع أسرار الخليقة بعض الاستطلاع يجعل أباه روحا تتجلي في الشمس ويفرق بين أبوهالأجساد وأبوه الأرواح ، وعلي هذا المثال ولا ريب زعم الكهنة أن هذا الفرعون أو ذاك من الفراعين ابن الشمس أو ابن أوزيريس ، ولم يفهموا ولا فهم أحد من ذلك أنهم ينكرون أبوته الجسدية المسجلة بالميراث ، وبحقها يجلس علي عرش أبيه .

ولا يري علماء المقابلة أن عبادة الشمس كانت معدومة في أطوار الديانات القديمة ، ولكنهم يقررون أن (ديانة الشمس) لم تنتشر في تلك الأطوار لأنها تستلزم درجة من الثقافة العلمية والأدبية لا تتيسر للهمج وأشباه الهمج في أقدم عصور التاريخ . فلا بد قبل ذلك من نظرة فلكية عالمية تحيط بعض الشيء بنظام الأفلاك وعلاقة الشمس بالفصول ومواعيد السنين .

وتستدعي ديانة الشمس غير هذا أن يرتفع العقل البشري بفكرة الخلق من أفق الأرض القريب إلي الآفاق العليا في السماوات فتتسع دنياه وتتعاظم فيها دواعي الحركة والسكون والحياة والموت ، ويقترب من الأوج الذي يستوعب فيه الكون بنظرة شاملة ، ويلتمس له سببا واحدا (للحصول) كما حصل بعد أن أصبح الكون كله في في حاجة إلي التعليل . فإنه كان قبل ذلك يعلل حياته بهذه القوة أو تلك من العلل الكونية . فإذا بالكون كله لا يستغني عن تعليل مريح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت