فتسني له بذلك أن يفتح لعقله منفذا إلي ما وراء المادة المطبقة علي حسة وفكره ، ولو ظلت مطبقة عليه هذا الإطباق لفاته العلم كما فاته الدين .
وتبدلت قيم الحياة كلها منذ دخل في روعه إمكان الوجود لما لم يلمس باليد وينظر بالعين . فمن هنا كل تفرقة بين الروح والجسد ، وبين العقل والمادة وبين الحركة والجمود وبين الخير والشر ، وبين النور والظلام وبين المعاني المجردة والأجسام المحسوسة ، ومن هنا كل اتساع في أفق النظر وراء الحيوان .
وإذا حسب الإنسان مكسبه من هذه الهداية فلا ينبغي أن يحسبه بما قصد بل بما وجد ، ولا ينبغي أن يقيسه علي خطئه في التعليل بل علي صوابه بعد ذلك في التوفيق بين العلل والمعلولات .
وينفعنا هنا أن نذكر قصة الأب الذي أوصي أبناءه وهو يودعهم ويودع الحياة أن ينبشوا الأرض عن كنز دفنه فيها ونسي مخبأه منها ، فلما نبشوا الأرض لم يجدوا كنزا من الذهب أو الفضة ، ووجدوا كنزا يساوي الذهب والفضة ، ويثمر لهم في كل عام كنوزا بعد كنوز . فلما وقع الإنسان الأول علي فكرة الروح وقع عليها خطأ لا شك فيه ، ولكنه خطأ توقف عليه إلهام الصواب في عالم العقل وعالم الضمير .