ولا مانع من تعليل اهتدائه إلي (الروح) بالعلة التي شرحها سبنسر وتيلور: وهي الأحلام واستيحاء الجماد ، إذ لم يكن في طاقته أن يفهم الروح فهما أصلح من هذا الفهم في ظلمات الجاهلية وعثرات النظر بين غياهب تلك الظلمات .
فكان ينام ويري أنه كان يعدو ويرقص ويأكل ويشرب ويقاتل في منامه ، ثم يستيقظ فإذا هو في مكانه لم ينتقل منه قيد خطوة إلي مكان غيره ، فيقع في حدسه أنه فعل ذلك بالروح الذي يسكن جسده ويتركه أو يعود إليه حين يريد . وكان يري الموتي في منامه فيحسبهم أحياء يتحركون مثله كما تحرك بروحه وهو نائم بجسده وراقب الموتي فرأي أنهم يفقدون النفس حين يموتون . فوقع في حدسه من ذاك أن النفس هي الروح والنفس والنسمة ، وكلمة بسيشيPsyche اليونانية معناها النفس كمعني سبريتSpirit في اللغات الأوربية الحديثة .. وفي ذلك دلالة لا شك فيها علي أصلها الأول من بداهة الإنسان .
ونحن الآن نفهم الظل الذي يلا زمنا ونفهم الصورة التي تتراءي لنا حين ننظر في الماء ، ولكن الهمجي لم يكن يفهم هذه الظلال ولا هذه الصور كما نفهمها الآن ، بل كان يحسبها نسخا حية منه يصاب من جهتها بالسحر والطلاسم ، ويصونها من كيد أعدائه كما يصون أعضاء جثمانه ، ويحار في هذا الازدواج فيلحقه بازدواج الأشباح والأجساد علي نحو من الأنحاء .
ولم يكن جهله بالأشياء دون جهله بالظلال والأشباح . فلا يستغرب منه أن يلبسها ثوب الحياة كما يفعل الطفل حين يعطف علي ماحوله من الأشياء أو يقابلها بالرهبة والإحجام ، وكثيرون من الراشدين المثقفين في عصرنا هذا يهتاجون فيخاطبون الجماد بالزجر والسباب كما يخاطبون الأحياء وتغلبهم عاطفة الحزن أو الوجد فيعتبون علي الشيء الذي لا حس له كأنه يحس منهم العتب والدعاء .
والمهم أن الإنسان الأول قد اهتدي إلي فكرة (الروح) من نواحيه التي تلائمه ، فكانت الهداية مفرق الطريق في اغلثقافة الإنسانية سواء منها ثقافة العقل أو ثقافة الضمير .