الصفحة 14 من 112

لكن الأديان الكتابية -بعد كل هذا- هي التي بلغت بالتوحيد غاية مرتقاة وعلمت الناس شيئ فشيئا عبادة الإله (الأحد) الذي خلق الوجود من العدم ووسعت قدرته كل موجود في السماوات والأرضين ، ولم يكن له شريك في الخلق ولا في القضاء .

وذاك التوحيد الإلهي الذي نشأ من توحيد الدولة لم يعرض لخلق الكون كله ، ولم يذهب بفكرة التكوين إلي أبعد من خلق الإنسان من مادة موجودة لا حاجة بها إلي موجد . ولما بحثوا في خلق الأرض والسماء كانت فكرة الخلق عندهم بمثابة فكرة التنظيم والتجميل ، لأنهم نظروا إلي مادة الأرضين والسماوات كأنها حقيقة راهنة ماثلة للحس والنظر في غني عن المبدع ولا حاجة بها إلي شيء غير التركيب والتنسيق ، وفرضوا لتركيبها أسلوبا من الصناعة كأسلوب الإنسان في تركيب مصنوعاته من موادها الحاضرة بين يديه . وظل العقل البشري محصورا في هذا الأفق إلي عهد الديانة الإغريقية قبيل الدعوة المسيحية بل بعد الدعوة المسيحية في بعض الجهات بزمن غير قليل . فلم يكن (زوس) كبير الآلهة خالقها ولا خالق الكون بما رحبمن أرض وسماء ولكنه كان بينها كرب الأسرة بين الأبناء والأحفاد ، أو كالسيد المطاع بين الأعوان والأتباع ، وبلغ من سريان هذه (الحالة العقلية) في الأزهان أن الفلاسفة أنفسهم لم يجهدوا عقولهم في البحث عن أصل للمادة الأولي أو الهيولي . كان وجودها حقيقة مفروغ منها لا توقف علي مشيئة خارجة عنها . فلما ترقي الإنسان فجاء تفكيره في خلق الكون من طريق تعظيمه لقدرة الله وإفراده بالوجود الصحيح والقدرة السرمدية علي الإيجاد فاقتحم بالإيمان بابا لم يقتحمه بالتأمل والتفكير .

فالإيمان بالأرواح كان أشيع إيمان وألزمه لبديهة الإنسان في مبدأ هدايته للتدين والاعتقاد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت