الصفحة 18 من 112

فديانة الشمس كانت الخطوة السابقة لخطوة التوحيد الصحيح لأنها أكبر ما تقع عليه العين وتعلل به الخليقة والحياة ، فإذا دخلت هي أيضا في عداد المعلولات فقد أصبح الكون كله في حاجة إلي خالق موجد للأرض والسماء والكواكب والأقمار . وينطبق هذا الترتيب تمام الانطباق علي فحوي قصة إبراهيم في القرآن الكريم (فلما جن عليه الليل رأي كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ، فلما رأي القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين . فلما رأي الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون ، إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ، وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون) .

ولا تزال بداءة التوحيد من طريق تأليه الشمس مسألة تخمين لا مسألة يقين . فالحضارات القديمة في الدول قد عمت الأقطار الشرقية بين مصر وبابل وفارس والهند ثمانية آلاف سنة أو تزيد ، وكلها قد عبدت الشمس وميزتها بالعبادة في دور من الأدوار . فأيها هي الأمة السابقة إلي التوحيد أهي فارس أم الهند أم بابل أم أشور أم مصر أم اليابان في مجاهل القدم قبل اتصالها بالحضارة الآسيوية ؟ ليس الجواب علي هذا كما أسلفنا مسألة يقين بل مسألة تخمين . وأغلب الظنون المدعمة بالقرائن المعقولة أن مصر بدأت بتوحيد الدين كما بدأت بتوحيد الدولة . فالمؤرخ هيرودوت القديم يقول إن الإغريق تعلموا أمور الدين من المصريين والسير اليوت سميث -وهو مرجع موثوق به في تاريخ مصر- يقول إن شعائر الهند القديمة في الجنائز نسخة محكية من كتاب الموتي ، وتفرق الديانات معقول في الدول الأخري ولكنه غير معقول في قطر يجري فيه نيل واحد ويتحد وجهاه قبل خمسة آلاف سنة علي أقل تقدير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت