الصفحة 43 من 124

وأما الموحد الذي لا يعبد إلا الله تعالى فإنه مطمئن القلب ومرتاح البال وهادئ الفكر لأنه عرف أنه ليس له إلا إله واحد قد أقبل بكل أحاسيسه وجوارحه على التقرب له بما يحبه هذا الرب ويرضاه، لا يأخذ الأوامر إلا منه، ولا يتعرف على الشرع إلا من قبله، قد سلم قلبه من كل أحد إلا من هذا الواحد فقط، فهل حال هذا كحال من تعددت أربابه، وتنوعت معبوداته؟ لا والله إن بينهما لفرقا كما بين السماء والأرض، وذلك كحال العبد الذي اشترك في شرائه جماعة مختلفون فيما بينهم، فتعددت أسياده، وهم مع تعددهم متشاكسون مختلفون، فهذا يأمره بأمر بينما ينهاه الآخر عنه، وهذا يقول: ــ أعطني هذا، بينما يقول الآخر: ــ لا تعطه هذا، فيبقى هذا العبد مع تعدد أسياده حائر الفكر متذبذب، مشوش الخاطر معذب، لا يدري من السيد الذي يعتمد أوامره، ويقبل على طاعته، فأين هذا من العبد الذي توحد سيده فلا يملكه إلا واحد فقط، يأتمر بما أمره به، وينتهي عما نهاه عنه، ويسعى في خدمته بما يريد، فهل يستوي هذا العبد في همه وتفكيره وطاعته ومحبته لسيده وتفانيه في خدمته، مع حال العبد الأول؟ فحقيقة من تعددت آلهته كحقيقة العبد الذي تعددت أسياده، وأما العبد الذي لم يشرك مع الله غيره في شيء من عبادته فحاله كحال العبد لذي ليس له إلا مالك واحد، فهل يستويان مثلا"الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون"والأمثلة القرآنية في هذا المعنى كثيرة، ولعلنا مع سعة الوقت نفرد شرحها في رسالة خاصة فإنها من أنفع ما يكون، يارب أسألك باسمك الأعظم أن توفقني لذلك،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت