العظيمة الواسعة وكيف جعلها الله تعالى مهادا وفراشا وذللها تذليلا وجعل فيها سبلا فجاجا ليسهل تنقل الناس على ظهرها، وليبتغوا من فضله وإليه النشور، وجعلها كالأم الحنون لمن على ظهرها فجعلها كفاتا للناس والخلق، أحياء وأمواتا، كما قال تعالى"ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا"وكيف جعل الله فيها أرزاق العباد وأودع فيها من الخيرات في باطنها وعلى ظهرها، وكيف مدها وألقى فيها الرواسي العظيمة فجعلها كالوتد لها تحفظها لئلا تميد بمن على ظهرها، وانظر كيف جعلها كروية الشكل لتكون نقطة الابتداء هي بعنها نقطة الانتهاء، وهذا أيسر للتنقل، وهي مع ذلك أنى جئتها ترى أنك فوق، وإن كنت في أسفل الكرة، وانظر كيف أودعها الجاذبية التي بها يسكن من عليها فلا يطيرون، وانظر كيف نوع الله تعالى سطحها، ففيها الجبل والسهل، والحزن واللين، والحصى والتراب والأبيض والأسود، والماء واليابسة، والمرتفع والمنخفض، وانظر كيف جعلها قطعا متجاورات، وأخرج من كل قطعة أشجارها وزرعها الذي يسقى بماء واحد ولكن بعضه أفضل من بعض في الأكل، إنها لمن الآيات الدالة على أن إله الكون واحد لا يستحق العبادة إلا هو جل وعلا، ولا يزال العلماء ينهلون من معين إعجاز الله تعالى خلقها، ولقد أكثر الله تعالى من ذكر الأرض في القرآن مستدلا بها على أنه الواحد الأحد في ألوهيته وكمال قدرته، ثم انظر إلى الشمس التي فوقنا كيف هي على كبرها وضخامتها تجري لمستقر لها، وكيف جعلها الله سراجا ينير هذا العالم، وجعل لها منازل ومواقيت لطلوعها وغيابها، فلا تعدو ما حد لها، وهي مع ذلك مسبحة بحمد الله تعالى وساجدة له"وإن من شيء إلا يسبح بحمده"