الصفحة 6 من 21

القدرة التامة لزم وجود الفعل ولا بد، وأن عدم وجود الفعل يرجع إلى عدم القدرة إذا توفرت الإرادة، هو من أجمع وأفضل ما قيل في هذه المسألة، وهو كلام محكم منضبط، وهو مشاهد معلوم.

ولذلك فقد قال الله تعالى (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون) [1] ، وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: (إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم) قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وهم بالمدينة حبسهم العذر) [2]

وذلك أن العبد إذا كان محبا لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا يمنعه من الطاعة إلا عدم القدرة من مرض أو عاهة أو غير ذلك من موانع القدرة، ومن هنا يتبين لك كذب من يدعي الإيمان ومحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو سليم البدن دون أن يكون لذلك أثر من أعمال الجوارح، فرحم الله ابن تيمية ما أفقهه في دين الله تبارك وتعالى.

وقال ابن تيمية أيضا: وقد تبين لك أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه أو بقلبه ولسانه ولم يؤد واجبا ظاهرا، لا صلاة ولا زكاة ولا صياما ولا غير ذلك من الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها مثل أن يؤدي الأمانة أو يصدق الحديث أو يعدل في قسمه وحكمه من غير إيمان بالله ورسوله لم يخرج بذلك من الكفر.

فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ومن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات، سواء جعل فعل تلك الواجبات لازما له أو جزءا منه، فهذا نزاع لفظي، كان مخطئا خطئا بينا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف.اهـ [3]

وقال أيضا رحمه الله: فإنا نعلم أن من سب الله ورسوله طوعا بغير كرهٍ، بل من تكلم بكلمات

(1) سورة التوبة، الآية: 92.

(2) رواه بهذا اللفظ البخاري وأبو داود وأحمد وابن ماجة وابن حبان والبيهقي وأبو عوانة وأبو يعلى وابن أبي شيبة عن أنس - رضي الله عنه - ، ورواه ابن ماجة وأبو عوانة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (لقد خلفتم بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ولا سلكتم طريقا إلا شركوكم في الأجر حبسهم العذر) ، وعند البيهقي بلفظ (حبسهم المرض) ، وعند أبي يعلى عن جابر أيضا قال: قال رسول الله (إن في المدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر) ورواه أحمد أبو عوانة والبيهقي عن أنس بن مالك بلفظ (لقد تركتم رجالا بالمدينة ما سرتم من مسير ولا قطعتم واديا ولا أنفقتم من نفقة إلا وهم معكم فيه) قالوا: يا رسول الله كيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال (حبسهم العذر)

(3) مجموع الفتاوى ج7/621، راجع ج7/556 ـ 558.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت