الصفحة 20 من 21

بالفراش، وإن كان الشبه لغير صاحبه، كما حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة عبد بن زمعة بالولد المتنازع عليه لصاحب الفراش، ولم يعتبر الشبه له، فأعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - الشبه في حجب سودة، ولم يعمله في النسب لوجود الفراش. اهـ [1]

وقال ابن القيم أيضا: فأحكام الرب تعالى جارية على ما يظهر للعباد ما لم يقم دليل على أن ما أظهروه خلاف ما أبطنوه.

وأما قصة الملاعن فالنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قال بعد أن ولدت الغلام على شبه الذي رميت به (لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن) ، فهذا والله أعلم إنما أراد به لولا حكم الله بينهما باللعان لكان شبه الولد بمن رميت به يقتضي حكما آخر غيره، ولكن حكم الله باللعان ألغى حكم هذا الشبه فإنهما دليلان وأحدهما أقوى من الآخر فكان العمل به واجبا، وهذا كما لو تعارض دليل الفراش ودليل الشبه فإنا نُعمل دليل الفراش، ولا نلتفت إلى الشبه بالنص والإجماع. اهـ [2]

قلت: مما سبق يتبين أن إثبات الظاهر له عدة طرق منها:

إقرار المكلف على نفسه بفعل أو قول ما، أو البينة الصحيحة أو ما يقوم مقامها من القرائن الدالة عند انعدام البينة، وأن العمل بما يظهر من الأقوال والأعمال هو الواجب في هذا الباب، وذلك عملا بقاعدة الحكم بالظاهر التي سبق تقريرها، وإذا تعارضت الظواهر فإن أمكن العمل بكل ما يظهر دون حدوث تعارض وجب ذلك، وإن لم يمكن العمل بها جميعا فيُعمل بالأقوى منها، أو يتبعض الحكم كما في قصة عبد بن زمعة.

ومثال ذلك في موضوعنا أنه متى ظهر من المكلف ما يدل على إسلامه بطريق صحيح شرعا حكمنا له به، ومتى ظهر منه ما يدل على كفره ـ بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع ـ حكمنا عليه به.

وإن اجتمع في المكلف ما يدل على إسلامه الظاهر وكفره الظاهر، بمعنى أنه قد اجتمع فيه قول أو عمل يدل على إسلامه، وعمل أو قول يدل على كفره في آن واحد، فقد نص الشارع على أن الحكم حينئذ يكون للكفر، ولا ينفعه ما يقوم به من أعمال الإسلام وشعائره، فإن الكفر هو الغالب في هذه الحالة، والمقصود بالكفر هنا الأكبر المخرج من ملة الإسلام وليس الأصغر، والأدلة على ذلك من القرآن والسنة كثيرة.

فمن ذلك قوله تعالى (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من

(1) الطرق الحكمية لابن القيم/31، راجع مجموع الفتاوى ج7/411.

(2) اعلام الموقعين، ج2/138: 139.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت