الصفحة 19 من 21

وكذلك في قصة قتل ابن أبي الحقيق لما دخل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته ليلا فضربوه بسيوفهم، وغرز أحدهم السيف في بطنه، حتى خرج من ظهره، فنظر - صلى الله عليه وسلم - إلى سيوفهم، ووجد في ذلك السيف أثر الطعام، فقال - صلى الله عليه وسلم - هذا قتله، وحَكم بموجب اللوث ونزله منزلة الشهود، وجعل لولاة الدم أن يحلفوا معه، وكذلك جعل معرفة العفاص والوكاء قائما مقام البينة، وكذلك حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقافة، وجعلها دليلا على ثبوت النسب...إلى أن قال رحمه الله: فمتى ظهر الحق وأسفرت طريق العدل فثمَّ شرع الله ودينه. اهـ [1]

قلت: والعمل بالقرائن عند تعذر البينة ثابت بالأدلة الشرعية في عدة أبواب من الفقه [2] ، وما يفيدنا في مسألتنا من ذلك أنه يصح الحكم على المكلف بالقرينة أو العلامة إذا تعذر إثبات ظاهر يعتمد عليه أقوى من القرينة، ويكون الحكم حينئذ بالشرع لا بالهوى والتشهي والله أعلم.

وإذا تعارضت الظواهر فلذلك حالات:

أحدها: إن كانت قوة الظواهر متساوية ولا يمكن العمل بها لتعارضها، فإنه يسقط العمل بها جميعا، ويُلجأ إلى مرجح آخر.

قال العز بن عبد السلام رحمه الله: ومثاله أن يختصم رجلان في ادعاء نسب طفل، ولكل منهما بينة على دعواه، فتتساقط البينتان ويُلجأ إلى القافة لتلحق بأحدهما بناء على شبهه به. اهـ [3]

الثانية: إن كانت قوة أحد الظواهر أقوى من غيره عُمل بالأقوى.

الثالثة: فإن كانا في قوة واحدة، وأمكن العمل بهما جميعا عمل بهما.

ومثال ذلك حديث اختصام سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة، فقال سعد: هو ابن أخي عهد إليَّ به، وقال عبد بن زمعة: هو أخي وُلد على فراش أبي، فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخو عبد بن زمعة، وقال - صلى الله عليه وسلم - (هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه ياسودة) [4] .

وقال ابن القيم رحمه الله: واللعان سبب أقوى من الشبه قاطع النسب، وحيث اعتبرنا الشبه في لحوق النسب فإنما ذاك إذا لم يقاومه سبب أقوى منه، ولهذا لا يعتبر مع الفراش، بل يحكم للولد

(1) تبصرة الحكام لابن فرحون المالكي ج 1 / 242: 244.

(2) راجع في ذلك كتاب الطرق الحكمية للإمام ابن القيم، فإنه كتاب عظيم النفع ذكر فيه ابن القيم رحمه الله كثيرا من الأبواب التي يدخل فيها العمل بالإمارات والقرائن.

(3) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ج2/44: 45.

(4) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ومالك في الموطأ والدارمي في سننه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت