-صلى الله عليه وسلم - لم يُرد بهذا الحديث إلا الموضع الذي تمكن فيه البينة، وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل رحمه الله، فمتى وُجدت القرائن التي تقوم مقام البينة عمل بها.
وقد ورد في القرآن الكريم قصة يوسف عليه السلام في قدِّ القميص وإقامة ذلك مقام الشهود، قال ابن الفرس: هذه الآية يحتج بها من العلماء من يرى الحكم بالعلامات والأمارات فيما لا تحضره البينات، وقال تعالى (وجاءوا على قميصه بدم كذب) [1] ، رُوي أن إخوة يوسف عليه السلام لما أتوا بقميصه إلى أبيهم تأمله فلم يجد فيه خرقا ولا أثر ناب، فاستدل بذلك على كذبهم، وقال لهم: متى كان الذئب حليما يأكل يوسف ولا يخرق قميصه.
قال القرطبي رحمه الله: قال علماؤنا لما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة صدقهم قرن الله بهذه العلامة علامة تكذبها وهي سلامة القميص، وأجمعوا على أن يعقوب استدل على كذبهم بصحة القميص، فاستدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في كثير من مسائل الفقه، وأقاموها مقام البينة، فإن قيل هذه أمور في غير شرعنا فلا تلزمنا، فالجواب على ذلك مذكور في باب الحكم بالقرائن [2] .
وقال تعالى (تعرفهم بسيماهم) [3] ، دل على أن المراد بالسيما حال الشخص الذي يظهر عليه، حتى إذا رأينا ميتا في دار الإسلام وعليه زنار وهو غير مختون فإنه لا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يصلى عليه، ويُقدم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء، ويقوم ذلك مقام البينة...إلى أن قال رحمه الله:
ومن ذلك ما وقع في غزوة بدر لابني عفراء لما تداعيا قتل أبي جهل، فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (هل مسحتما سيفيكما) ، فقالا: لا ، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (أرياني سيفيكما) ، فلما نظر إليهما قال: (هذا قتله) ، وقضى له بسلبه [4] ، فاعتمد على الأثر في السيف.
(1) سورة يوسف، الآية: 18.
(2) المراد بشرع من قبلنا الأحكام التي شرعها الله تعالى للأمم السابقة، ولا خلاف بين العلماء في أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد في شرعنا ما يوجبه أو يصححه أو يقره، ولا خلاف أيضا بينهم في أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا إذا ورد ما يُخالفه في شرعنا، ولكن الخلاف بين العلماء فيما كان شرعا لمن قبلنا ولم يأت في شرعنا ما يصححه أو يعتبره أو ما يُبطله أي أنه من قبيل المسكوت عنه، والراجح والله أعلم أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأت في شرعنا ما يُبين عدم اعتباره، وذلك لأن حكايتة مع السكوت عليه يعتبر من باب الإقرار له، راجع في هذه المسألة المستصفى للغزالي/132 وما بعدها، والإحكام للآمدي ج2/186 وما بعدها، وشرح مُسَلَّم الثبوت لعبد العلي محمد الأنصاري ج2/184ـ185، الإحكام لابن حزم ج5/724، تفسير القرطبي ج7/38، ط: دار الحديث القاهرة.
(3) سورة البقرة، الآية: 273.
(4) سبق تخريجه.