الخاسرين) [1] ، فالشرك هنا قد أحبط العمل كله وضيع فائدته، والخطاب قد توجه هنا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وتعلق أيضا بمن سبقه من إخوانه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومن المعلوم مكانتهم عند الله تبارك وتعالى، فغيرهم من الناس أولى بذلك.
فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وإخوانه الأنبياء عليهم السلام سيحبط عملهم إن هم وقعوا في الشرك الأكبر ـ وحاشاهم ذلك ـ فغيرهم ممن هو أقل منهم منزلة أولى بهذا الخطاب.
ومثله في الدلالة قوله تعالى (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) [2] ، وقوله تعالى (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء [3] ، وكما قال المفسرون: أثبت الله لهم أعمالا ولكنه أهدرها، فدل على أنها أعمالٌ معتبرة صحيحة من حيث الشروط الظاهرة، لكنها لما كانت مع الكفر لم تنفعهم، ومن هذه الأدلة أيضا قوله تبارك وتعالى(وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا) [4] ، وقوله تبارك وتعالى (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) [5] ، إلى غير ذلك مما ورد في هذا المعنى.
ومسألة إحباط الكفر للإيمان والعمل الصالح إنما يكون بالكفر الأكبر الصريح، أما المحتملات فلا تدخل في هذا الكلام وإنما يجب حملها على عدم الكفر ثم يُتبين من قصد ونية المكلف فيها، هذا وسيأتي مزيد بيان للفرق بين الصريح والمحتمل من الكفر في الكلام على عدة مسائل منها: حكم ساب الله ورسوله، ومسألة الولاء والبراء ومسألة الحكم والتشريع إن شاء الله تعالى.
وهذا آخر ما نذكره في مسألة العلاقة بين الظاهر والباطن ووجوب الحكم بالظاهر والعمل عند تعارض الظواهر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل والحمد لله رب العالمين.
كتبه الفقير إلى عفو ربه ورحمته
أبو عمرو
عبد الحكيم حسان
(1) سورة الزمر، الآية: 65.
(2) سورة الأنعام، الآية: 88.
(3) سورة إبراهيم، الآية: 18.
(4) سورة الفرقان، الآية: 23.
(5) سورة يوسف، الآية: 106.