الصفحة 10 من 21

وقال تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) [1] ، ووجه الدلالة في الآية أن الله تعالى نهى أن يُقدم الإنسان على شيء لا علم له به، ومن المعلوم أن الباطن والضمير لا يطلع عليه إلا الله تبارك وتعالى، فمن تكلف الحكم على الباطن وهو لا يعلمه فقد قفا ما ليس له به علم، ووقع فيما نهى الله عنه. ...

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم) [2] ، فقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن حكمه إنما يكون على ما يظهر على الجوارح فقط وأنه ليس مكلفا بالنظر لما في القلب ولا بالحكم عليه. ...

وقال - صلى الله عليه وسلم -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله....) الحديث وفيه (وحسابهم على الله تعالى) ، فاكتفى منهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالظاهر في الحكم عليهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى.

وكذلك فعل بالذين تخلفوا عن الخروج معه واعتذروا إليه بأن قَبِل علانيتهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى.

وكذلك كان هديه - صلى الله عليه وسلم - في المنافقين دائما، فإنه كان يقبل ظاهر إسلامهم ويكل نياتهم إلى الله تعالى، ولم يجعل لنا في أحكام الشريعة علما بالنيات والمقاصد تترتب عليه أحكام الدنيا.

وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الهازل كالجاد في النكاح والطلاق والرجعة وغير ذلك، وأبلغ من هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما أقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار) [3] ، فأخبر أنه - صلى الله عليه وسلم - يحكم بالظاهر وإن كان في نفس الأمر لا يحل للمحكوم له ما حكم به إن كان خلاف الحقيقة والباطن.

ويدل كل ما سبق على أن أحكام الدنيا إنما تجري على الظاهر، وإن كانت المقاصد والنيات مؤثرة فيها، ولكن بالاعتبار الأول فالحكم لما يظهر والله تعالى أعلم.

وقد قال الشافعي رحمه الله: فرض الله تعالى على خلقه طاعة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولم يجعل لهم من الأمر

(1) سورة الإسراء، الآية:36.

(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن حبان والبيهقي وأبو يعلى مع اختلاف يسير في الألفاظ.

(3) رواه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ والشافعي في المسند والترمذي والنسائي وأحمد وابن حبان وابن ماجة وابن ابي شيبة والبيهقي وأبو يعلى والطبراني بألفاظ متقاربة كلهم عن أم سلمة رضي الله عنها، ورواه أيضا أحمد وابن حبان عن أبي هريرة بنحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت