الصفحة 53 من 112

الجزيرة العربية، وهؤلاء لا شك هم الذين قفز على أكتافهم الى المرتبة التي وصل اليها، ثم تلى ذلك ادخال زمرة الفقهاء في ضمن موظفي الدولة، فأصبحوا بذلك مثل أي موظف يعمل في دوائر الحكومة.

إن فقهاء الوهابية اقتصر دورهم في الوقت الحالي على تبرير سياسات الحكومة والدفاع عنها، دون أن تكون لهم مشاركة في توجيهها، ليحافظوا بذلك، على الأقل، على مناصبهم الإدارية، فالشيخ ابن باز، الذي و صفه الشيخ محمد الغزالي بأنه"من طلاب الآخرة، وممن يؤثرون ربهم على دنياهم" [1] ، ألف كتابا انتقد فيه القومية العربية تجاوبا مع موقف الحكومة السعودية وأمريكا المعادي للقومية العربية [2] ، وكذلك أصدر فتاواه ضدّ الثورة الاسلامية في إيران، واعتبر الحركة الاسلامية التي قادها الامام الخميني أكثر الحركات المبتدعة خطورة، كما اعتبر أصحاب هذه الدعوة أصحاب شرك أكبر [3] ، من الواضح اذًا أن موقف فقهاء الوهابية من حركة التجديد أوقعهم في مأزق الثنائية مما أدى في آخر المطاف الى تهميش دورهم في السلطة، إن الهوة بين الفكر السياسي الوهابي وبين حياة المجتمع الاسلامي تزداد اتساعا يوما بعد يوم، وقد لاحظ بعض المنتقدين للوهابية هذه المشكلة، ومن هؤلاء الاستاذ محمد البهي إذ يقول في هذا الصدد"إن الفجوة بين الفكرة السياسية للحركة الوهابية وبين التطبيق العملي في حياة المؤمنين بها فجوة واضحة، إن مجال الفكر الوهابي والعقيدة الوهابية مجال القراءة والترديد، إنه مجال الاصطناع والاحتراف بها في غير بناء وفي غير ملاءمة" [4] ، ويرى الاستاذ البهي أن الحركة الوهابية أصبحت بذلك مثل أي حركة اسلامية، فالحركات الاسلامية التي ظهرت في بعض البلدان الاسلامية كمصر وقعت في مشكلة ثنائية الدين والدولة، وذلك بسبب وقوع هذه البلاد تحت تأثير الاستعمار، أما المملكة العربية السعودية فأنها لم تقع تحت نفوذ الاستعمار، وبالتالي فليس هناك مبرر لظهور الثنائية في الفكر الوهابي [5] ، إن ما يذهب اليه الدكتور البهي من أن الدعوة الوهابية نجت من تأثير الاستعمار، ربما يكون صحيحا اذا نظرنا إلى نشأة الحركة، أما التطورات التي مرّ بها الفكر السياسي الوهابي فلا شك أنها تعرضت لضغوط الدول الغربية الاستعمارية كبريطانيا وأمريكا وغيرهما، وبالتالي لا يكون ثمة فرق بينها وبين الجماعات الاسلامية الأخرى من هذه الناحية، أما ما أخذ عليهم من أن مجال الفكر

(1) حرسي محمد هيلوله، دعوة لدراسة تاريخ الفكر السلفي، جريدة اللواء، عمَّان، 16/ 9/1992.

(2) ابن باز، عبدالله، مجموعة فتاوى، ج4ص441

(3) ابن باز، عبد الله بن عبدالعزيز، السابق، ج4ص173

(4) محمد البهي، الفكر الاسلامي، ص82 - 83. يجعل الاستاذ البهي تسلط الدول الاستعمارية على العالم الاسلامي سببا لظهور الثنائية لدى الحكومات الاسلامية وليس هناك من شك أن لهذا العامل دور مهم في ظهور إزدواجية الدين والدولة، ولكن ينبغي ألا ننسى أن لمشكلة إزدواجية الدين والدولة تاريخ طويل في الفكر الاسلامي وقد رأينا أن الاستاذ ابوسليمان ذكر أسبابا لظهور الثنائية في حياة المجتمع الاسلامي، ومنها تغلب العصبيات والقبليات على عقلية الأمة وانهيار الخلافة الراشدة، ومن هنا يتضح لك أن مشكلة الازدواجية في حياة المجتمع الاسلامي ليست وليدة فقط تسلط الدول الاستعمارية على العالم الاسلامي، بل لها جدور أبعد من ذلك.

(5) فهمي جدعان، أسس التقدم، ص21، ابن غنام، تاريخ نجد، ص 25

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت