وتعليم مدني [1] ، ومن الواضح، أنه حتى لو صح ما ذهب إليه الاستاذ البهي، فإن ذلك لا يمنع التلافي من الوقوع في الثنائية، إن الثنائية ليست حتمية هنا، وهناك أسباب أدت الى ظهورها، من أهمها موقف علماء الوهابية الجامد أحيانا من الاهداف السياسية الاصلاحية لابن سعود، فالمملكة العربية السعودية لم تعد تلك المقاطعات المتناحرة فيما بينها، بل أصبحت دولة موحدة لها كيان واحد، ومن هنا كان من الطبيعي اجراء اصلاحات واسعة وبناء نظام إداري، وقد واجه ابن سعود متاعب كبيرة من قبل فقهاء الوهابية عند ما أراد أن يجري بعض الاصلاحات، وعلاوة على ذلك بدأ بعضهم بإثارة مشكلات مذهبية في داخل المملكة، فقد أصدر علماء الرياض سنة 1925م فتوى طالبوا فيها ابن سعود منع شيعة الاحساء من أداء العبادات العلنية، واجبارهم على المثول أمام كبار هيئة العلماء، وأن يأمرهم بقطع الدعاء لآل البيت وابطال الاحتفال بذكرى ولادة ووفاة النبي محمد (ص) وعليّ، وكذلك طالبوا بأن يمنعهم من زيارة المناطق المقدسة لدى الشيعة مثل كربلاء ونجف، بل ذهبوا الى أبعد من ذلك بحيث طالبوا أن يحملهم على تدريس مؤلفات محمد بن عبد الوهاب، والامر بالهدم بمعابد الشيعة في الاحساء [2] ، وفي سنة 1930م، عقد علماء الوهابية اجتماعا في مكة للنظر في السياسات التعليمية لابن سعود، واصدروا فتوى احتجوا فيها على ادخال اللغات الأجنبية والجغرافيا والرسم في مناهج التعليم، بحجة أن اللغات الأجنبية تمكن المسلمين من تعلم دين الكفار وأن الجغرافيا تذهب الى القول بكروية الأرض، وذلك بخلاف ما يقوله القرآن من أنها مسطحة -حسب ما يرون- وأما الرسم فلأنه يقلد خلائق اللّه [3] ، ومن هنا اضطر ابن سعود الى رفض مثل هذه الفتاوى، ومن الجدير بالذكر أن صدور مثل هذه الفتاوى من علماء الوهابية ليس أمرا مستغربا، بل ما زال بعضهم الى اليوم يتمسكون بمثل هذه القشور، فقد أصدر ابن باز فتوى لأحد طلبة الكلية العسكرية في مصر التي تلزم طلابها بحلق لحاهم، وأمره بألا يحلق لحيته وأن يترك الكلية إذا لزم الأمر [4] ، إن مثل هذه الآراء التي تمسك بها علماء الوهابية أجبرت ملوك العربية السعودية مثل ابن سعود وغيره الى العمل بتقليص نفوذ الفقهاء في السلطة، وقد اضطر ابن سعود إلى تأسيس مدارس مدنية الى جانب المدارس الدينية بعد أن رأى فتوى العلماء الخاصة بموقفهم من المنهج التعليمي [5] ، ثم إنه بعد ذلك عمل من أجل إخضاع الفقهاء وغيرهم من متشددي أتباع المذهب الوهابي لاستخدامهم كآلة ذات حدين اذا لزم الأمر لتنفيذ سياساته، وأكبر شاهد على ذلك، أن ابن سعود استحدث جماعة الأخوان وجعلهم، ليس فقط درعا واقيا لسلطانه، بل قوة ضاربة يمكن الاعتماد عليها عند الحاجة، ثم عمل من أجل تفكيكها بل ومقاتلتها وتشريد أفرادها وذلك بعد أن أحكم قبضته على
(1) محمد البهي، الفكر الاسلامي في تطوره، ص 83
(2) أيمن الياسييني، الدين والدولة، ص49
(3) أيمن الياسييني، السابق، ص49
(4) بن باز، عبدالعزيز بن عبدالله، مجموعة فتاوى و مقالات متنوعة، الرياض 1990م، الرياسة العامة لادارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد، الادارة العامة للطبع والترجمة، الطبعة الثانية، الجزء الرابع، التوحيد وما يلحق به ص441، أيمن الياسييني، الدين والدولة، ص57 - 58
(5) أيمن الياسييني، السابق، ص58