الصفحة 51 من 112

سنة 1902م [1] ، وهكذا نجد أن العلاقة بين الجانبين في هذه المرحلة كانت علاقة تعاون وتكاتف، فوجود أحد الجانبين مرهون بوجود الجانب الآخر، وكذلك انعدام أحد الجانبين يعني انعدام الجانب الآخر.

وسبب استمرار هذا الترابط الوثيق بين زعماء آل سعود وفقهاء آل الشيخ في هذه الفترة يعود الى أمور منها، وجود العدو المشترك وهو يتمثل في الحكومة العثمانية وحلفائها في المنطقة من المصريين وأشراف الحجاز، ومنها وجود المصالح المشتركة، فزعماء آل سعود يستمدون شرعيتهم من المذهب الوهابي، إذ أقر الشيخ محمد بإمامتهم كما مرّ بنا، والفقهاء الوهابيون يحتاجون الى السلطة الزمنية لنشر مذهبهم وفرضه على مجتمع الجزيرة.

أما المرحلة الثانية، التي مرت بها علاقة السلفية الوهابية بالسلطة الزمنية فتبدأ من سنة1902م، عند ما استولى ابن سعود، وهو في الثانية والعشرين من عمره، مدينة الرياض وأخرج منها الحامية الرشيدية، وقتل حاكمها، وبعد فترة قليلة نسبيا لا تزيد عن سنتين استطاع أن يبسط نفوذه على نجد، وكان لابن سعود هذا شخصية قوية نادرة مكنته على التغلب على معظم الصعوبات التي واجهته، ففي الوقت الذي كانت الدولة العثمانية منشغلة في حربها مع إيطاليا في ليبيا وبعض جزر البحر المتوسط، استطاع ابن سعود أن يبسط سلطانه في معظم أنحاء نجد، ثم إنه عقد سنة 1914م اتفاقا مع الحكومة البريطانية اعترفت فيه الأخيرة بضم نجد والاحساء والقطيف الى مُلك ابن سعود، وفي عام 1921م احتلت قواته جدة والمدينتين المقدستين، وفي هذا العام أعلن ابن سعود نفسه ملكًا على الحجاز وبعد ستة سنوات أصبح ملك المملكة العربية السعودية كلها [2] ، وهكذا بدأ للجزيرة عهد جديد بعد تلك الانتصارات التي كُللت بالاعمال السياسية والحربية لابن سعود، ثم إن هذه المكاسب الباهرة التي حققها ابن سعود انعكست على طبيعة العلاقة بين علماء الوهابية والسلطة السياسة.

فقد شقّ ابن سعود طريقه بنفسه، مع أن موقف العلماء من سياسات ابن سعود كانت موقف دعم وتأييد في أغلب الأحيان، الا أن الثنائة بين الدين والسياسة قد بدأت تظهر في عهد ابن سعود، وينبغي ألا يفهم من ذلك أن موقف العلماء من السياسة كان واحدا، بل من الثابت أن الكثير منهم كانوا يعارضون بعض أهداف ابن سعود السياسية والتربوية وإن كانت هذه المعارضة ذات قيمة محدودة وتبدو في أغلب الأحيان اعتراضات سطحية تتمسك بالقشور دون النظر الى الأهداف البعيدة لسياسة الدولة. إن الثنائية بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية لم تظهر بشكل واضح الا بعد أن استقرت الدولة السعودية بشكلها الحالي، وذلك كما أسلفنا ابتداء من عهد ابن سعود، وإن كان يرى بعض الدارسين، مثل الاستاذ محمد البهي، أن هذه الثنائية كانت متأصلة في الفكر الوهابي، فهو يرى أن الاتفاق الذي وقع بين الشيخ محمد والامير بطبيعته كان يحتم أبعاد الثنائة في مجال التعليم وتوزيعه بين تعليم ديني

(1) أيمن الياسييني، السابق، ص 48

(2) أيمن الياسييني، السابق، ص49

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت