الصفحة 46 من 112

هذا الانفصام وهذه الثنائية التي أصابت فكر الأمة وقيادتها أصبحت عقبة كأداء في طريق المجتمع الاسلامي نحو التقدم والاعمار، وقد لازمت هذه الثنائية على حياة المسلم أكثر من عشرة قرون، ولم يجد المسلمون حلا مناسبا لهذه المشكلة، وإن كانت هناك محاولات لم تتجاوز المجال النظري في أغلب الأحيان، وقد قامت مجموعة من مفكري العالم الاسلامي عبر العصور بمحاولات لكسر طوق هذا الفصام، وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب واحدا من هؤلاء المفكرين الذين حاولوا دمج القيادتين، الفكرية والسياسية، أو على الاقل اعادة الصلة فيما بينهما على نحو طبيعي ومثمر، وبكلمة أخرى، كان ممن حاولوا ابراز الابعاد النظرية والعملية لفكرة التوحيد في آن واحد، أي البعد الديني والبعد السياسي لعقيدة التوحيد، فكان المنهج الذي سلكه لتحقيق ذلك أن جرد التوحيد عمّا رآه بدعا وخرافات تعلقت به على مر العصور أولا، ثم قام بتحليل هذه الفكرة الى أبسط عناصرها ليتمكن من الربط فيما بينها وبين الواقع البعيد عنها كل البعد، وقد ظهرت هذه الدراسة في كتابه"التوحيد الذي هو حق الله على العبيد".

لقد أيقن محمد بن عبد الوهاب أن احداث تغير في المجتمع العربي الاسلامي في الجزيرة أمر مستحيل الا اذا توفرت له قيادة فكرية دورها التوجيه وقيادة سياسية تقوم بالدور العملي التطبيقي، كما أيقن بأن دراسة فكرة التوحيد دراسة نظرية لا تكفي لاحداث تغير كهذا في واقع مجتمع الجزيرة الا اذا صاحبها بعد سياسي اجتماعي عملي يسترشد بفكرة التوحيد المجرد، ومن هنا بدأ ابن عبد الوهاب في أول دعوته البحث عن سلطة زمنية تقوم بتحقيق البعد السياسي الاجتماعي لفكرة التوحيد، وذلك بعد أن أحكم تصوره للبعد الديني النظري المجرد لهذه الفكرة وقام بتحليلها حتى ربط بها بالواقع العملي، وهذه النقطة كانت من أهمّ السمات التي ميّزت حركة ابن عبدالوهاب عن غيرها [1] ، وسواءا اتفقنا أم اختلفنا مع ابن عبد الوها في الاسلوب الذي اتبعه لتنفيذ هذا المنهج، وبغض النظر عن النتائج التي تمخضت عن أفكاره فيما بعد، فإنه لا مفرّ من الاعتراف بأن ابن عبدالوهاب وضع حجر الاساس لكسر طوق الثنائية والانفصام الذين احاطا بفكر الأمة اكثر من ألف سنة.

إن البعد السياسي الاجتماعي لفكرة التوحيد لدى محمد بن عبد الوهاب، الذي شكل بشهادة جمع غفير من مفكري العالم الاسلامي [2] ، البذرة الأولى لنهضة العربية الاسلامية، وبدايات الوعي العربي القومي، لم يلاحظ غالبا الا من قبل المفكرين الذين كانوا خارج اطار دعوته، وقد رأى بعضهم أن ابن عبد الوهاب بحكم مذهبه الحنبلي يرى حصر

(1) حرسي محمد هيلوله، دعوة لدراسة تاريخ الفكر السلفي، جريدة اللواء، عمّان، 27/ 11/1991م

(2) عبدالعزيزالدوري، التكوين التاريخي للامة العربية دراسة في الهوية والوعي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الاولى، بيروت 1984م ص 282. عمارة، محمد، تيارات الفكر الاسلامي، بيروت دار الوحدة 1985م ص255، توفيق الطويل، السابق، ص277، فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الاسلام في العصر الحديث، الطبعة الثانية، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت 1981م، ص190

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت