الصفحة 45 من 112

الفصل الثالث

البعد السياسي والاجتماعي للتوحيد المجرد في الفكر الوهابي

التوحيد هو لب عقيدة المسلم والقاعدة ألايديولوجية للامة الاسلامية، واذا كان المسلمون قد أحسنوا فهم قوله تعالى"قل هو الله أحد" [1] ، وأقروا بأن الله واحد أحد لا شريك له، فإن أبعاد هذا التوحيد لم تدرك كما ينبغي في كثير من الاحيان لدى القادة المسلمين ومفكريهم، ففي عصر دولة الخلافة نجد أبعاد التوحيد واضحة ومثمرة في كل من المجالين الواقعي والنظري، فقد فهم مجتمع دولة الخلافة قول الله تعالى"إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فأعبدون" [2] ، وقوله تعالى"إن هذه أمتكم أمة واحدة فاتقون" [3] ، وعلموا أن اقرار التوحيد لا يكون كاملا ومثمرا الا اذا قرن به عملا يشهد له في الواقع العملي، فإذا اعتقد الانسان بوجود إله واحد فلابد أن ينعكس اعتقاده هذا على حياته الاجتماعية، فالامة الاسلامية أمة واحدة كما تخبرنا الآيات، وقيادتها واحدة، وفكرها واحد من حيث الغاية، فهي أمة تقوم على أساس الوحدة في جميع نواحي الحياة، هذا الشعور بالوحدة قد ظهر في عهد دولة الخلافة على أفضل وجه يمكن أن يتصوره الانسان، ولكن ما الذي حدث بعد دولة الخلافة؟ لماذا وقع العالم الاسلامي في ثنائية لا سبيل الى الخروج منها؟ ثنائية البعد النظري لعقيدة التوحيد والبعد السياسي والاجتماعي لهذه العقيدة، للاجابة على هذا السؤال يرى الدكتور عبدالحميد ابو سليمان أن سبب هذه الثنائية هو الفصل الذي وقع بين القيادة الفكرية والقيادة السياسية للامة الاسلامية بعد سقوط دولة الخلافة، فقد انهارت دولة الخلافة بعد أن تغلبت عليها النزاعات الشعوبية والعصبيات القبلية والطائفية على عقلية الامة وبعد أن فشلت كل المحاولات التي قام بها رجال الفكر الاسلامي الملتزمين لأعادة الامور الى نصابها نتج من هذا الفصام أمران خطيران، الاول منهما هو اعتزال القيادة الفكرية عن المسؤلية الاجتماعية والممارسة العملية، والامر الثاني هو جهل القيادة السياسية وحرمانها من القاعدة الفكرية [4] ، إن هذه الملاحظة التي أفادها الدكتور ابو سليمان تستحق التأمل، فالقيادة الفكرية الاسلامية بعد أن أُبعدت عن المركز القيادي السياسي وعن المسؤلية الاجتماعية اضطرت الى الانكباب على دراسة النصوص دراسة نظرية لا تمت بصلة الى الواقع العملي الذي كانت الأمة تعيشه، فحققوا بذلك البعد الديني المجرد لفكرة التوحيد، في حين انفرد رجالات العصبيات بالقيادة السياسية للأمة بمعزل عن نفحات البعد السياسي والاجتماعي لفكرة التوحيد التي هي القاعدة الاساسية للفكر العملي للانسان المسلم.

(1) الاخلاص:1 - 2

(2) الانبياء: 92

(3) المؤمنون: 52

(4) ابو سليمان، عبدالحميد أحمد، أزمة العقل المسلم، فرجينيا، الطبعة الاولى 1991م، ص47 - 49

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت