الصفحة 43 من 112

الصرف، وبالتالي يكون كلامه متماسكا وليس فيه أي تناقض كما تصوره الأخ الناقد، فمن البين أن هذه الاشياء التي اخذها على الشهرستاني والرازي قلما تلزمهما عند التحقيق، وإذا علمت هذا اتضح لك أن تحديد مذهب بعينه في مسألة الصفات ونسبته إلى السلف على المعنى الذي ذكرناه لهذه الكلمة ليس بالأمر الهين، بل هو شبه مستحيل، إن لم نقل إنه مستحيل على الاطلاق إذ أن الشهرستاني نفسه يخبرنا أن لهؤلاء الذين سماهم بالسلف، مذهبين في مسالة الصفات فبعضهم قد ذهب في هذه المسألة إلى حد التشبيه، بينما ذهب آخرون منهم ابن حنبل إلى التفويض حسب ما يقوله الشهرستاني [1] ، و بعد هذا القدر من المناقشة والتحليل لهذه الأراء يتضح لنا أن هذه القضية، وهى قضية توحيد الصفات التي جعلها ابن عبد الوهاب اصلا ثالثا من أصول التوحيد، قضية موغلة في الابهام والغموض، وهذا الغموض يكمن في أمرين، الأول هو أن انصار الوهابية ينسبون مذهب اثبات الصفات، الذي يجعلونه اصلا من أصول التوحيد، إلى السلف، وقد رأيت أن تحديد مذهب معين في هذه المسألة ونسبته إلى السلف أمر في غاية الصعوبة، لعدم ورود أدلة كافية في هذا المجال، والأمر الثاني هو أن مصطلح السلف في حد ذاته غير محدود الا إذا قلنا رأي الدكتور عمارة وهو أن السلفية ظاهرة عباسية مع أن هذا نفسه ليس بمسلم به، ولا نظن أن انصار الوهابية يسلمون به، ومن هنا تعرف أن تحديد مذهب في هذه القضية العويصة وجعلها اصلا من أصول التوحيد وألزامها على الفرق الإسلامية أمر لا مبرر له، والحل الوحيد لهذه القضية هو أن يترك المسلم ليختار بين المذاهب المشهورة فيها وهى التأويل والتفويض والاثبات، فالتأويل هو مذهب المتكلمين والتفويض والاثبات ينسبان إلى الامام أحمد ومن نحى نحوه من الفقهاء والمحدثين كما مر بنا.

لقد رأينا فيما سبق أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب جعل توحيد الصفات اصلا من اصول التوحيد، وذلك اقتداء بسلفه ابن تيمية، واعتبر هذا النوع من التوحيد شرطا لا يستقيم توحيد الربوبية وتوحيد الالوهية الا باقراره، فقد قال في احدى رسائله"لا يستقيم توحيد الربوبية ولا توحيد الألوهية الا بالاقرار بالصفات" [2] ، والحق أن كل المسلمين يتفقون مع الشيخ محمد بان اقرار هذه الصفات التي نصت عليها الآيات والاحاديث الصحيحة واجب، وأن المرأ إذا أنكر أو جحد واحدة من هذه الصفات الثابتة لا يكون توحيده مستقيما، ولكن الخلاف يكمن في الكيفية أوالصورة التي ينبغي أن نقر بها، فقد مربنا أن الناس اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال الاقرار يكون بتأويلها على الوجه الذي يتفق مع التنزيه، وذهب آخرون الى أن الاقرار يكون بتفويض أمرها إلى الله، بينما يقول أخرون إن هذا الاقرار لا يكون الا باثباتها على حقيقتها واجرائها على ظاهرها، ورأوا أن هذا المذهب الأ خير هو مذهب الامام أحمد ومن قبله من الصحابه والتابعين، وهذا ما ذهب إليه ابن تيمية، وتابعه في ذلك الشيخ ابن عبد الوهاب واتباعه، ولم يخصص ابن عبد الوهاب لهذه المسألة إلا حيزا صغيرا من رسائله، وذلك بالنظر إلى المسائل الاخرى التي ناقشها في رسائله وفى كتبه مثل توحيد الألوهية والعبادة والتوسل والاستغاثة والاستشفاع وغيرهم، وربما اعتبر مسالة اثبات صفات الله واجرائها على ظاهرها أمرا مسلما به، فقد نقل في بعض رسائله ما رآه أنه مذهب أحمد بن حنبل في الصفات فقال"إن مذهب الامام أحمد"

(1) الشهرستاني، الملل والنحل، ج1ص 92 - 93

(2) عبدالرحمن بن قاسم، الدررالسنية، ج2ص37 - 38

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت