الدولة العثمانية من هذه المنطقة ومجريات أحداثها، فطالما وقفت موقف اللامبالي، بل كانت تتدخل أحيانا بشكل مباشر أو غير مباشر لتزيد الأمور اضطرابا.
تلك هي الظروف التي عاش فيها مؤسس الوهابية وكانت هذه المصائب والكوارث تقع تحت سمعه وبصره، وقد اقتنع بأن السبب الرئيسى لتدهور الحالة الاجتماعية والسياسية في نجد والجزيرة العربية هو تدهور الحالة الدينية، ومن ثمَّ فلا سبيل الى اعادة العافية لمجتمع الجزيرة الا إذا عاد هذا المجتمع الى الاسلام والى أصوله الأولى النقية، ولا يكون ذلك ممكنا الا إذا تمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله وتركوا البدع والخرافات التي استولت على حياتهم الروحية، ومن هنا شغلت ذهنه فكرة التوحيد النقي المجرد من كل شرك [1] ، ويقول الاستاذ أحمد أمين في كتابه"زعماء الاصلاح في العصر الحديث"لقد كان محمد بن عبد الوهاب ومن نحا نحوه يرون أن ضعف المسلمين اليوم وسقوط نفسيتهم ليس له من سبب الا العقيدة، فقد كانت العقيدة الاسلامية في أول عهدها صافية نقية من أي شرك، وكانت لا إله الا الله معناها السمو بالنفس عن الأحجار والأوثان وعبادة العظماء وعدم الخوف من الموت في سبيل الحق .. وبهذه العقيدة غزوا و فتحوا .. ثم لم يتغير شيء الا العقيدة، فتدنوا من سمو التوحيد الى حضيض الشرك .." [2] ، لا شك أن فكرة التوحيد كانت قطب الرحى الذي يدور حوله فكر محمد بن عبد الوهاب كما أشار الى ذلك الاستاذ أحمد أمين، وهذا الامر يبدو واضحا لدى دارسي دعوة الشيخ محمد، ولكن الأمر الذي لم يكن واضحا في أغلب الأحيان هو أبعاد هذه الفكرة، ونعني فكرة التوحيد، فقد انصب اهتمام معظم الدارسين لهذا الموضوع الى الاشارة الى البعد الديني المجرد لفكرة التوحيد، بينما أصبح البعد الاجتماعي السياسي لفكرة التوحيد غير واضح في أغلب الاحيان، وربما كان مرد ذلك اعتبار الأخير نتيجة للأول، ومهما يكن من أمر فإنه لا شك أن البعد الاجتماعي السياسي لفكرة التوحيد كان واضحا في ذهن مؤسس الدعوة الوهابية في أول أيامه عند بدأ دعوته كما سنرى فيما بعد، وبالتالي فإننا نعتقد أن فكرة التوحيد عند محمد بن عبد الوهاب سارت في اتجاهين لايقل كل واحد منهما قوة عن الاخر، كما أن لكل من هذين البعدين الذين ارتسما في فكر محمد بن عبد الوهاب قواعده وأصوله، وسوف نحاول في الفصل القادم أن نتبين أبعاد فكرة التوحيد التي دعا إليها مؤسس الوهابية والأسس أو القواعد التي سار عليها لتحقيق هذه الابعاد."
(1) توفيق الطويل، الفكر الديني الاسلامي في العالم العربي ابان المائة العام الاخيرة، نشر ضمن كتاب الفكر العربي في مائة سنة، بحوث مؤتمر هيئة الدراسات العربية المنعقد في الجامعة الامريكية في بيروت 1966م طبعة عام 1967م ص 276
(2) أحمد أمين، زعماء الاصلاح في العصر الحديث، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1965م ص14