الصفحة 32 من 112

الفصل الثاني

السلفية الوهابية وتجريد التوحيد

لم يكن مؤسس السلفية الوهابية أول من دعا إلى تجريد التوحيد من الشوائب والشركيات، بل كان قبله من ِفرق الاسلام من عرف بـ"أهل العدل والتوحيد"، وهم المعتزلة، وقد بلغوا في قضية"التنزيه والتجريد"بما يتعلق بذات الله مبلغا عظيما، وسبقوا في ذلك كل الفرق، ويقول الامام ابو زهرة في حديثه عن المعتزلة"والتوحيد هو لب مذهبهم وأس نحلتهم" [1] ، فقالوا"إن الله واحد ليس كمثله شيء، وليس بجسم، ولا شبح، ولا جثة، ولا سورة، ولا لحم، ولا دم، ولا شخص، ولا جوهر، ولا عرض، ولا بذي لون ولا طعم .. الخ" [2] ، وقد سلكت المعتزلة في قضية التوحيد مسلكين، الأول: وهو توحيد الله، ونفي الشريك عنه، أو القول بالإله الواحد الأحد، وهذا يقوله كل المسلمين كما دلت عليه الآيات القرآنية، والمسلك الثاني، أنهم فلسفوا الوحدانية، فقالوا إن معنى وحدانية الله، أن ليس ذاته تعالى مركبة من اجتماع امور كثيرة، لانه لو كان مركبا لافتقر تحققه إلى تحقق كل جزء منه فيكون كل جزء من أجزائه مفتقرا الى غيره، وكل مركب مفتقر إلى غيره، والله منزه عن الافتقار الى غيره، فالله تعالى حقيقة واحدة فردية لا كثرة فيها بوجه من الوجوه، فلما فسر المعتزلة التوحيد بهذا المعنى اضطروا إلى القول"بأن ذات الله وصفاته شيء واحد" [3] ، وقد حاول الدكتور عبد الحميد عرفان أن يحصر مذهبهم في الصفات في نقاط أربعة، هي:

1 -اختصار الصفات واختزالها إلى صفتين هما العلم والقدرة، وجعلهما اعتبارين عقليين للذات الالهية.

2 -تفسير الصفات الايجابية تفسيرا سلبيا يؤدي إلى نفي اثبات معان اضافية زائدة على الذات.

3 -اثبات الصفات مع القول بأنها عين الذات، وهو الذي يمثل الخط العام في منهجهم.

4 -تفسير الصفات باعتبارها أحوالا، فإذا قالوا إن الله عالم، يثبتون لله حالة خاصة هي العلم [4] .

هذا المنحى الفلسفي الذي سلكه المعتزلة في تجريد التوحيد، جعل هذا الفكر فكر صفوة، لا فكر عامة وجمهور. إذ كانت مدارك العامة تقف عند النصوص، ومن ثم اصبح هذا النوع من التجريد قاصرا عن تلبية احتياجات المسلم البسيط، ومن هنا ظهر لدى الجمهور والعامة احساس بعدم جدوى هذا المنهج الذي سكله المتكلمون في مباحث العقيدة، وشعروا بان اسلام عرب الجزيرة الأول، على حد تعبير الدكتور محمد عمارة، قد اصبح غريبا في هذا الواقع

(1) ابو زهرة، الامام محمد، تاريخ المذاهب الاسلامية في السياسة والعقائد و تاريخ المذاهب الفقهية، دار الفكر العربي، بدون تاريخ ومكان الطبع، ص126

(2) أحمد أمين، ضحى الاسلام، الطبعة الخامسة، دار الكتاب العربي، بيروت بدون تاريخ. ج3 ص28

(3) أحمد أمين، السابق، ج3ص29

(4) عبدالحميد عرفان، الفلسفة الاسلامية دراسة ونقد، الطبعة الثانية بيروت مؤسسة الرسالة 1984م

ص152 - 155

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت