الصفحة 30 من 112

الدائمة، فكانت كل جماعة على أهبة الاستعداد واذا سنحت لهم الفرصة لغزو جيرانهم تبادروا الى ذلك، ويعبر ابن بشر هذه الحالة الفوضوية بقوله"واعلم رحمك الله أن هذه الجزيرة النجدية هي موضع الاختلاف والفتن، ومأوى الشرور والمحن والقتل والنهب والعدوان بين أهل القرى والبلدان، ونخوة الجاهلية بين قبائل العربان، يتقاتلون في وسط البيوت والاسواق .." [1] ، وكانت هذه الفتن والاضطرابات السياسية غالبا ما تجتاح المدن الكبيرة والتجمعات السكانية في نجد، ولم تكن الفوضى السياسية هي المشكلة الوحيدة التي كانت تعانيها هذه المنطقة، بل هناك متاعب أخرى كان يواجهها النجديون من أهمها الكوارث الطبيعية والغزوات التي كان يشنها أشراف الحجاز على القرى والمدن النجدية، فقد تعرضت منطقة السدير لحملة شاملة عام 1697م على يد الشريف سرور أخ الشريف سعد بن زيد الذي تولى امارة الحجاز في مطلع القرن الثامن عشر، ولما تولى الامارة الشريف محسن بن عبد الله غزا نجد وأغار على بني حسين في المجمعة في سنة 1726م [2] ، وهكذا كانت غزوات الاشراف تتوالى، أما الكوارث الطبيعية والأمراض الوبائية فقد كانت تكتسح بعض القرى والمدن مما جعل الحياة في منطقة نجد شبه مستحيلة طوال القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر الهجري، وقد ذكر ابن بشر ما يشير الى الظروف الصعبة التي كان يعيش فيها أهل الدرعية ابان انتقال الشيخ محمد إليها، إذ يقول"ولما هاجر من هاجر الى الدرعية واستوطنوها كانوا في اضيق عيش وأشد حاجة وابتلوا ابتلاء شديدا فكانوا في الليل يأخذون الأجرة ويحترفون .." [3] ، وزاد الامر تعقيدا بعض ملاك الاراضي الزراعية بحيث كانوا يكبلون الفلاحين بالديون الربوية الجائرة، ويميل المستشرق فاسيلييف الى أن هذه الظاهرة الربوية قد انتشرت في نجد وغيرها من مدن الجزيرة العربية قبيل ظهور الدعوة الوهابية، ويرى أن هذا الأمر هو الذي جعل الدعاة الوهابيين يصرون على شجب الفوائد الربوية [4] ، وبالاضافة الى ذلك فإن القبائل الضعيفة التي لا تستطيع أن تحمي نفسها من هجمات القبائل القوية كانت تضطر دائما الى الاحتماء بأحد أمراء المدن أو شيوخ العشائر القوية، وكانوا يدفعون أموالا في مقابل هذه الحماية، وكانت هذه الأموال تمثل مصدرا مهما لدخل خزينة الأمير، كما أن عادة أهل هذه المنطقة جرت أن يفرض الامير ضريبة سنوية على سكان منطقته أو المدينة التي تخضع لحكمه، وقد اشترط أمير الدرعية على الشيخ محمد بن عبد الوهاب لدى بيعته له شروطا منها أن له في الدرعية قانونا يأخذه منهم في وقت الثمار [5] ، ويتضح لنا مما سبق أن مجتمع نجد عاش قبيل ظهور الدعوة الوهابية حياة شبيهة بالجحيم، فقد كان يتلقى ضربات الكوارث الطبيعية العاتية بالاضافة الى جور الامراء وغزوات أشراف الحجاز، وأدهى من كل ذلك موقف

(1) حسين خلف، السابق، ص39

(2) ابن بشر، عنوان المجد، ج2ص3

(3) ابن بشر، السابق، ج1ص13

(4) فاسيلييف، تاريخ العربية السعودية، ص35، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، فتاوى ورسائل لعلماء نجد الاعلام، مصر، طبعة المنار بدون تاريخ ج11ص6

(5) ابن بشر، عنوان المجد، ج1ص12

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت