ما الى الشرك استنادا الى مسألة خلافية كهذه؟ إن الموقف المتشدد الذي اتخذه دعاة الوهابية من بعض القضايا الخلافية كقضية التوسل بالأنبياء واعتبارهم لها أمرا محرما شرعا يؤدي الى الشرك، واسقاط وجهة نظر مخالفيهم من الحساب جعلهم يتهمون بالشرك أولئك الذين يتوسلون بالأنبياء والأولياء، ومما زاد الطين بلة أن أهل نجد وخاصة الأعراب وأهل البوادي لم يكتفوا بالتوسل بالأنبياء بل تذكر المصادر أن كثيرا منهم كانوا يتوسلون أيضا بالأموات بل توسل بعضهم بالأشجار والأحجار [1] ، ولكن هل كان فعل هذه المنكرات، أعني التوسل بالأحجار والأشجار وما شابههما منتشرا في جميع أنحاء نجد؟ الذي يبدو أن المنكرات كانت منتشرة بين سكان البوادي والأرياف دون أهل الحضر، ومعروف أن طبيعة البدو وخشونة حياتهم وانتشار الجهل فيما بينهم يؤدي عادة الى قلة تدينهم وميلهم الى الإيمان بالخرافات، ولم يكن هذا مختصا ببدو نجد بل هو عادة البدو أينما وجدوا في العالم، وأغلب الظن أن هذا الأمر هو الذي أعطى دعاة الوهابية الأوائل مبررا كافيا لاعتبار مثل أولئك البدو ومن سلك مسلكهم مشركين منحرفين عن العقيدة الصحيحة، واستنادا لما سبق يمكن القول إن حالة نجد الدينية لم تكن شركا محضا وانما كانت البدع قد انتشرت بين سكان تلك المنطقة ثم إن هذه البدع تراكمت فازداد هذا التراكم حجما في البوادي والأرياف حتى أدى الى وقوع بعض الشركيات بين أهالي الريف.
بـ ـ الحالة السياسية والاجتماعية
رأينا كيف اختلف الدارسون حول تشخيص الحالة الدينية في نجد وغيرها من بلدان العالم الاسلامي، وتبين لنا أن أنصار الدعوة الوهابية يعتبرون حالة تلك الفترة الواقعة قبيل ظهور الوهابية حالة شرك وبدع، بينما يرى آخرون أن مبادئ الاسلام كالصلاة والصوم وغيرهما كانت مطبقة، أما الحالة السياسية والاجتماعية في الجزيرة وخاصة في منطقة نجد فقد كانت أسوأ مما كانت عليه الحالة الدينية، ومرد ذلك فيما يقوله المؤرخون أن الجزيرة العربية اكتسبت مزيدا من الاستقلال في أوائل القرن الثامن عشر، وذلك بعد أن ضعفت الدولة العثمانية اثر تعرضها للاضطرابات والقلاقل في القرنين السادس عشر والسابع عشر حتى وصلت مرحلة الأفول في بدايات القرن الثامن عشر [2] ، وتُركت الجزيرة العربية تواجه مصيرها وحدها، فبقيت منطقة الحجاز تحت حكم الأشراف، بينما بدأت قبائل نجد تلتف حول بعض الزعماء القبليين الا أن هذا الالتفاف لم يكن منظما بل كان في غاية الفساد، وكانت العصبيات القبلية قائمة على قدم وساق، فأصبح لكل عشيرة دولة، ولكل قرية مشيخة، وكانت كل عشيرة تعتز بسلطانها وتتعصب له وأصبح للحكام القبليين حوزات خاصة بهم يحكمونها [3] ، وكانت العلاقات بين هذه القبائل علاقة تحكمها الحرب
(1) ابن باز، محمد بن عبدالوهاب، دعوته وسيرته، الدار السعودية للنشر، ط. الثانية 1389هـ/1969م، ص22،13
(2) عبدالعزيزسليمان نوار، تاريخ الشعوب الاسلامية، دار الفكر العربي، القاهرة، بدون تاريخ، ص153، فاسيلييف، تاريخ العربية السعودية، ص67، حسين خلف، تاريخ العربية، ص38
(3) عبدالعزيزسليمان نوار، تاريخ الشعوب الاسلامية، دار الفكر العربي، القاهرة، بدون تاريخ، ص153، فاسيلييف، السابق، ص67، حسين خلف، السابق، ص38