إن نسبة الشرك أو الجاهلية إلى مجتمع ما من المجتمعات الاسلامية يعتمد عادة على رؤية الدعاة المجددين -مثل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره- للدين وفهمهم للعقيدة الاسلامية فإذا كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد رأى أن العبادة جزء لا يتجزأ من التوحيد [1] ، فإن سيد قطب قد رأى أن إفراد الحاكمية والقوامة والسلطة لله جزء لا يتجزأ من التوحيد [2] ، ومن ثم كل من يخالف هذه الرؤية لهذا المجدد أو ذاك يمكن اتهامه بالشرك أو الجاهلية انطلاقا من تلك الرؤية، وقد استمر الجدل بين انصار الدعوة الوهابية وبين خصومهم مدة تزيد على القرنين ابتداء من ظهور الدعوة الوهابية حتى يومنا هذا، والمنتقدون للحركة الوهابية لا يسلمون ابدا بما يقوله انصار الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن الحالة الدينية في نجد والجزيرة العربية وبقية العالم الاسلامي، بل يرون خلاف ما قالوه، ومن يقرأ بعض كتابات أحمد بن زيني دحلان، وما كتبه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب وغيرهما من نقاد دعوة الوهابية ير أن نظرتهم إلى عقيدة المجتمع الاسلامي أنذاك تناقض تماما الصورة التي نجدها عند انصار الدعوة الوهابية.
قلنا قبل قليل أنه لا مفر من قبول جزء من تلك الصورة التي يقدمها انصار الشيخ محمد عن الحالة الدينية في الجزيرة العربية وبقية العالم الاسلامي ما بين القرن العاشر والثاني عشر الهجريين، إذا فما هو هذا القدر الذي لابد من الاعتراف به؟ من المؤكد ان ظهور حركة دينية كحركة الوهابية لم يكن أمرا لا مبرر له بل كانت هناك اسباب وبواعث استوجبت قيام مثل هذه الدعوة التصحيحية ولكن الباحثين يختلفون حول الاسباب الرئيسية التي دعت إلى قيام حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وإن كان هناك قدر مشترك فيما بينهم، فبينما يرى انصار الدعوة الوهابية أن السبب الرئيس كان انتشار الشرك [3] ، يرى آخرون أن السبب الرئيس كان انتشار البدع والخرافات والمبالغة في تعظيم الانبياء، ويقول الإمام محمد ابو زهرة في كتابه تاريخ المذاهب الاسلامية"ظهرت الوهابية في الصحراء العربية نتيجة للافراط في تقديس الأشخاص والتبرك بهم وطلب القربى من الله بزيارتهم ونتيجة لكثرة البدع في المواسم الدينية والاعمال الدنيوية" [4] ، والذي يظهر من هذا الكلام كما سبق أن أشرنا إليه هو أن البدع والخرافات قد انتشرت في أجزاء كبيرة من العالم الاسلامي، ويبدو هذا الامر مجمعا عليه، ولو نظرنا كتابات خصوم الوهابية أنفسهم نجد أنهم لا ينفون وقوع البدع وإنما يرفضونه هو انتشار الشرك أو نسبة الشرك الى أولئك الذين استحدثوا أمورا بدعية، ويقول بعضهم إن أولئك الذين يتوسلون بالأنبياء والصالحين لا تصح نسبتهم الى الشرك وانما يجب تعليمهم، ولا يكون فعل العوام سندا أو حجة لتشبيههم بالكفار وعبدة الأوثان [5] ، ولا شك أن هناك خلافا شديدا بين الجانبين في مسألة التوسل بالانبياء والصالحين إلا أنه ربما جاز للمرء أن يتساءل عما إذا كان ممكنا من وجهة نظر الشريعة الاسلامية أن ينسب شخص
(1) محمد عبدالوهاب، كتاب التوحيد، طبعة جدة، بدون تاريخ، ص 14
(2) سيد قطب، معالم في الطريق، الطبعة الشرعية، بيروت دار الشروق 1983م، ص 54
(3) أحمد بن حجر، السابق، ص3، مقدمة ابن باز
(4) ابو زهرة، تاريخ المذاهب الاسلامية في السياسة والعقائد و تاريخ المذاهب الفقهية، ا دار الفكر العربي، بدون تاريخ ومكان الطبع، ج1ص28. ولاشك أن هناك أسبابا أخرى لا مجال لذكرها هنا
(5) حمدالله الداجوي، البصائر لمنكري التوسل باهل المقابر، ط. الحقيقة استنبول 1989م، ص119