وسار منها إلا نوادر يكتبها بعض علمائهم [1] ، وبالاضافة إلى ذلك، فإن اختفاء معظم كتابات خصوم دعوة الشيخ محمد الأوائل وراسائلهم زادت الأمر تعقيدا، ومع كل ذلك فإن بعض الدراسين المتأخرين يرون أن هذا الوصف الذي قدمه انصار الدعوة الوهابية ليس على اطلاقه وخاصة فيما يتعلق بحالة أهل القرى والمدن النجدية، أما أهل البوادي فربما كان هذا الوصف ينطبق عليهم أكثر من غيرهم، ويؤكدون وجود بعض العلماء النجدين الذين كانوا يتصفون بصفات جليلة، ويقول الدكتور عبد الله صالح العثيمين، وهو رجل له مكانته بين انصار الدعوة الوهابية يقول:"الدارس لما كتبه أولئك العلماء مثل المنقور يرى وضوح تلك الصفات فيهم، والمتأمل في سوابق ابن بشر يلاحظ أن حاضرة نجد، على الأقل، كانت بصفة عامة تقوم بالواجبات الدينية من صلاة وصوم، وزكاة وحج، وما ورد من شعر تلك الفترة كشعر جبر بن سيار، ورميزان ابن غشام، وحميدان الشويعر لا يتفق مع الصورة القاتمة التي تصف بها بعض المصادر حالة نجد آن ذاك" [2] ، والمستشرق فيلبي وهو أوثق من كتب من المستشرقين عن تاريخ نجد قال بالحرف الواحد في كتابه تاريخ نجد"كان مراعاة أركان الاسلام صفة لجميع أولئك الذين يحترمون انفسهم في كافة مدن نجد وقراها، إلا انهم يشفقون على الجهلة ويعطفون عليهم بدلا من تسفيههم" [3] ، فأذا اخذنا بعين الاعتبار وجهة نظر هذين الباحثين وغيرهما ممن يرى رأيهم، واضفنا إلى ذلك ما ذكره بعض المؤرخين من أن منطقة نجد والجزيرة العربية بصفة عامة كانت من أكثر المناطق تخلفا في الشرقين الأدنى والأوسط في تلك الفترة [4] ، تبين لنا أن ماينسب إلى سكان نجد والعالم الاسلامي من انتشار الشرك والردة عن الاسلام انما هو محض تخمين، ولا يعني ذلك ابدا انكار ما وقع فيه العالم الاسلامي من انحطاط وتخلف أبان هزيمة الدولة العثمانية في معركة فيينا عام1683م، وما بعدها حتى سقطت الخلافة الاسلامية، وانما كان ذلك واضحا في مجال التقدم العمراني الذي كانت الدول الأوربية تتقدم نحوه، ولم يحس المسلمون يوما من الأيام أن أوربا تتقدمهم في مجال العقيدة والشريعة، وقد لا حظ المستشرق لوثروب أن دعاة الاصلاح في العالم الاسلامي إبان سقوط الخلافة الاسلامية كانوا ينظرون إلى ديانة الغرب ومعتقداته نظرة احتقار مع اقرارهم بتفوق الغرب في الماديات [5] ، ولازال المسلمون ينظرون إلى عقيدة الغرب نفس النظرة التي كانت سائدة ايام سقوط الخلافة الاسلامية، أما انتشار البدع والخرافات في العالم الاسلامي وخاصة بين العامة فواضح أنه كان نتيجة مباشرة لهذا التخلف والانحطاط الحضاري.
(1) ابن بشر، عنوان المجد، ج1ص4 - 5
(2) عبد الكريم الخطيب، الشبهات التي أثيرت حول دعوة الامام محمد بن عبد الوهاب والرد عليها، بحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية مركز البحوث 1983م. ج2ص101
(3) عبدالله فيلبي، تاريخ نجد و دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب السلفية، تعريب عمر الدويري، من منشورات المكتبة الآلية، بيروت، بدون تاريخ، ص33
(4) فاسيلييف، تاريخ العربية السعودية، دار التقدم، موسكو 1986م، ترجمة خير الضامن و جلال الماشطة، ص36 لقد صرح الشيخ محمد بقلة التدين لدى البدو بل أفتى بكفرهم، أنظر الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص41 - 42.
(5) لوتورب استودارد، حاضر العالم الاسلامي، ج1، دار الفكر العربي 1933م، ص275