وأما «الملكي» «1» ؛ فله مقالة شرّ من ذلك، وستحكم عند سماعك إيّاها، بأن آراء هذا الطوائف ضحكة العقلاء، وأن اللّه جلّ اسمه، أضلّ بها قوما أراد إضلالهم، فلذلك طبع على قلوبهم وبصائرهم.
فنقول: هم يعتقدون بأنه حقيقة إنسانيّة عيسى عليه السلام، وذات الإله، حقيقتان متميّزتان، ليس بينهما اختلاط/ ولا امتزاج، بل كل حقيقة باقية على جميع أوصافها الثابتة لها من حيث هي كذلك، وأن المسيح أقنوم «2» لحقيقة الإله
-واليعقوبية: فرقة نصرانية، يقولون: بأن الكلمة انقلبت لحما ودما، فصار الإله هو المسيح الظاهر بجسده وهو هو، فمنهم من قال: المسيح هو اللّه، ومنهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت فصار ناسوت المسيح مظهر الحق، لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة، بل صار هو هو بطريق الظهور، كظهور الإنسان في المرآة المجلوّة، فهو جوهر واحد وأقنوم واحد من جوهرين، أو قالوا: طبيعة واحدة من طبيعتين ... الخ كلامهم.
وللتفصيل في معرفة اليعقوبية وآرائهم؛ انظر: «الملل والنحل» للشهرستاني (2/ 253 - وما بعدها) و «إظهار الحق» للهندي (3/ 716 - وما بعدها) و «الجواب الفسيح لما لفّقه عبد المسيح» للآلوسي (1/ 80، 81، 235) وغيرها.
(1) الملكي: أو الملكانية ويقال لهم الملكائية؛ فرقة من فرق النصارى؛ ينسبون إلى ملك الروم، يقولون: إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته، ويعنون بالكلمة أقنوم العلم، وبروح القدس أقنوم الحياة، ولا يسمون العلم قبل تدرعه به ابنا، بل المسيح مع ما تدرع به ابن، فقال بعضهم: إن الكلمة مزجت بالجسد- أي جسد المسيح- كما يمزج الماء الخمر، وصرحوا بأن الجوهر غير الأقانيم، وذلك كالموصوف والصفة، وعن هذا صرحوا بإثبات التثليث، وقالوا: إن المسيح ناسوت كلي لا جزئي وهو قديم أزلي، وأن مريم ولدت إلها أزليا، وأن القتل والصلب وقعا على اللاهوت والناسوت معا ... الخ.
انظر: «الملل والنحل» (2/ 248 - وما بعدها) و «إظهار الحق» (3/ 716) و «الجواب الفسيح» (1/ 79، 80، 235) .
(2) الأقنوم: هي كلمة رومية وقيل: سريانية، معناها الشخص. والأقانيم عند النصارى ثلاثة:
الأب والابن والروح القدس، ولهم فيها تسعة أقوال: أحدها: بأنها أشخاص، وثانيها:
بأنها خواص، وثالثها: بأنها صفات، ورابعها: بأنها صفات إيجابية، وخامسها: بأنها صفات إيجابية جوهرية، ومرادهم بالجوهرية: أنها ليست إضافية، وسادسها: بأنها صفات لا بمفردها بل يكون الواحد منها مع الذات أقنوما، وسابعها: أنها أوصاف لا بمفردها، وثامنها: أنها هي العقل والعاقل والمعقول، وتاسعها: أنها جهات ذهنية واعتبارات عقلية.
انظر: «لسان العرب» (12/ 496) و «الجواب الفسيح» (1/ 237 - 239) .