و أما الإمام أبو المكارم عبد الكبير، فإنه لما خرج من السجن ودخل العدو، البلاد طاف في القبائل آمرا لهم بإعادة شهادة التوحيد لأن الرضى بالكافر كفر. وبقي بعيدا عن الدولة والمحتل حتى لقى الله سنة 1333 هـ. رحمه الله تعالى.
أما ولده أبو الإسعاد عبد الحي فقد خرج من السجن بمنهج جديد. فإنه رأى ما حدث فوجد أن الجهاد لا فائدة منه، والناس بعلمائهم وعوامهم لا يستحقون أن يضحي المرء من أجلهم.
فعقد صفقة مع المحتل يسمح له بموجبها بالتنقل بين أتباعه وأنصاره من أجل الدعوة إلى الله ونشر العلم، والسفر للخارج لحضور المؤتمرات العلمية والثقافية. ومقابل ذلك يهادن هو المحتل ولا يحاربه ولا يثير عليه أحدا، وكان الاتفاق مع فرنسا في"عقد الحماية"أن لا علاقة لها في الشؤون الدينية، وأن تدخلها إداري فقط.
و لم يوافقه آل بيتنا على ذلك، فأبناء أخيه وشيخه بقوا أوفياء لخط والدهم بزعامة شقيقهم محمد المهدي، رحمه الله، فضيق عليهم العدو وأحصى أنفاسهم، فانتقلوا من فاس لسلا.
على أن أبا الإسعاد لا تكتمل صورته إلا بمعرفة أمور هامة:
أحدهما: أن مشاهير علماء المغرب كانوا على مثل ما كان عليه، وكذلك مشايخ الطرق الدينية. ولم يخالف في ذلك إلا فئة قليلة معدودة.
بل كثير منهم وصلوا في ذلك لدرجة الإسفاف والابتذال. نسأل الله العافية.
و الثاني: أننا لا نجد للشيخ مدحا صريحا للمحتل في كتبه، بخلاف العديد من علماء تلك الحقبة والذين كانوا يصدرون كتبهم بإهدائها للمقيم العام ويملأونها بمدح فرنسا أو إسبانيا ورجالاتهما.
الثالث: أننا لا نرى له قدحا في المجاهدين واتهامهم بالمروق والخارجية، كما كان يفعل غيره. بل في بعض كتبه مدح لبعضهم إبان ثورتهم.