التي تحكم الحضور والغياب، ففي بداية أي علاقة تحتاج لأن تؤكد الإحساس بحضورك لدى الطرف الآخر وإن أبعدت نفسك عن الأنظار في هذه المرحلة المبكرة يكون من السهل نسيانك، لكن بمجرد أن تتحرك مشاعر من تود و تتبلور مشاعرها بالحب نحوك فإن الغياب يفيد في تأجيج مشاعرها نحوك ومشاعرك نحوها، وعدم إبداء أسباب للغياب يكون أقوى تأثيرا: فحين تغيب يتساءل المحب إن كان قد أخطأ وفي البعد تتدفق خيالاته وتفيض، ولا تؤدي إثارة الخيال إلا إلى إشعال جذوة المشاعر. على العكس من ذلك كلما كانت جوليلي تلاحق جيلوم كان
حبه لها يخفت. فكان حضورها المفرط ثقيلا وأظهرها سهلة ومبتذلة، ولم يترك الخياله الفرصة للتحليق والنمو فاختنقت مشاعره، وحين توقفت عن مراسلته بدأ حبه في التنفس من جديد وعاد إلى خطته.
الممنوع والنادر يجذب احترامنا وتقديرنا له، وما يثقل علينا بحضوره المقيم يثقل علينا ويجعلنا نزهده ونحتقره. في العصور الوسطى كانت النساء يضعن فرسانهن في اختبارات للحب وكن يكلفتهم بمطالب شاقة ومطولة - ليصنعن لعلاقاتهن نسقا من الحضور والغياب، والحقيقة أنه لو لم يبتعد جيلوم لأجبرته هي على الابتعاد التخلق غيابها الخاص. الغياب يطفئ المشاعر البسيطة ويؤجج المشاعر الكبرى، تماما كما نطفئ الريح الشمعة وندگي النار
لاروشفوكو 1613، 1680
مراعاة القاعدة!
استطاع الأشوريون لعدة قرون أن يحكموا أجزاء كبيرة من آسيا بقبضة من حديد، لكن في القرن الثامن ق. م. ثارت ضدهم الجموع في ميديا (في شمال غرب إيران الحالية) ، واستطاع أخيرا شعب ميديا الحصول على الاستقلال، ولكن خوفا من الخضوع مرة أخرى لحكم طاغية قرروا أن لا يعطوا كل السطوة لرجل واحد، وأسسوا إمارة دون فائد. ودخلت البلاد في الفوضى وتفتت إلى ممالك صغيرة، وأصبحت كل قرية تحارب ضد أخرى.