فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 96

لا يبعد في نظر العقل ، ولا يستحيل في تقدير الفكر ، أو يختص واهب النعم ومفيض الخير سبحانه ، بعض عباده بسعة في الفكر ورحابة في الصدر ، وحسن قيادة وكمال صبر وسلامة في الأخلاق ليعدهم بذلك لتحمل أعباء الرسالة ، ويكشف لهم عما أخفاه عن غيرهم ، ويوحى إليهم بما فيه سعادة الخلق وصلاح الكون ، رحمة للعالمين وأعذارًا إلي الكافرين ، وإقامة للحجة على الناس أجمعين فإنه سبحانه بيده ملكوت كل شيء وهو الفاعل المختار لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع وهو على كل شيء قدير ، وآية ذلك أنا نشاهد الله سبحانه خلق عاده على طرائق شتى في أفكاره ، ومذاهب متباينة في مداركهم ، فمنهم من سما عقله واتسعت مداركه وأطلع من الكون على كثير من أسراره حتى وصل بما منحه الله من ثاقب الفكر ويسر له من التجارب إلي أن اخترع للناس ما رفع إليه من أجله أولو الألباب رؤوسهم إعجابًا به ، وشهادة له بالمهارة ، وأنكره عليه صغار العقول وعدوه شعوذة وكهانة أو ضربًا من ضروب السحر. ولم يزالوا كذلك حتى استبان لهم بعد طول العهد ومر الأزمان ما كان قد خفى عليهم فأذعنوا له وأيقنوا بما كانوا به يكذبون.

ومنهم من ضعف عقله وضاقت مداركه ، فعميت عليه الحقائق واشتبه عليه الواضح منها ، فأنكر البديهات ورد الآيات البينات ، ومنهم من انتهى به انحراف مزاجه واضطراب تفكيره إلي أن أنكر ما تدركه الحواس كطوائف السوفسطائية.

وكما ثبت التفاوت بين الناس في العقول والأفكار بضرورة النظر وبديهة العقل ، ثبت التفاوت بينهم أيضًا في قوة الأبدان وضعفها ، وسعة الأرزاق وضيقها ونيل المناصب العالية والاستيلاء على زمام الأمور ، وقيادة الشعوب والحرمان من ذلك إما للعجز وإما للقصور أو التقصير وإما لحكم أخرى يعلمها بارئ الكائنات ، ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا ، ورما كشف الغطاء عن كثير منها لمن تدبر القرآن وعرف سيرة الأنبياء وتاريخ الأمم وما جرى عليها من أحداث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت