فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 96

فمن شاهد ما مضت به سنة الله في عباده ، من التفاوت بينهم في مداركهم وقواهم وإرادتهم وغير ذلك من أحوالهم ، لم يسعه إلا أن يستسلم للأمر الواقع ويستيقن أن الله ينبىء من شاء من خلقه ، ويصطفى من أراد من عباده (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) . (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) . (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ *(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) .

بل هذا الحوار وأمثاله مما دار بين الرسل وأممهم يدل على أنهم لم يكونوا أصل الرسالة ، ولم يكونوا يستبعدون أن يصطفي الله روحًا طيبة لوحيه أو يختار نفسًا طاهرة لتبلغ رسالته وهداية خلقه ، لكنهم استبعدوا أن كون ذلك الرسول من البشر ، وظنوا خطأ أنه إنما يكون من الملائكة ، زعمًا منهم أن البشرية تنافى الرسالة ، فمهما صفت روح الإنسان وسمت نفسه ، واتسعت مداركه ، فهو في نظرهم أقل من أن يكون أهلًا لأن يوحى الله إليه وأحقر من أن يختاره سبحانه لتحمل أعباء رسالتهم .

وقد ذكر الله عنهم هذه الشبهة وردها بما لا يسع العاقل إلا قبوله والإذعان له ، ومن نظر في الكتب المنزلة وتصفح ما رواه علماء الأخبار مما دار بين الأنبياء وأممهم من الجدال والحجاج اتضح له ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت