وإذا اعتبرت المخلوقات والمأمورات وحدتها بأسرها كلها دالة على النعوت والصفات وحقائق الأسماء الحسنى ، وعلمت أن المعطلة من أعظم الناس عمى بمكابرة ، ويكفى ظهور شاهد الصنع فيك خاصة ، كما قال تعالى: )وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذريات:21)
فالموجودات بأسرها شواهد صفات الرب جل جلاله ونعوته وأسمائه ؛ فهى كلها تشير إلي الأسماء الحسنى وحقائقها ، وتنادى عليها ونخبر بها بلسان النطق والحال ، كما قيل:
تأمل سطور الكائنات فإنها ... ... ... من الملك الأعلى إليك رسائل
وقد خط فيها لو تأملت خطها ... ... ألا كل شيء ما خلا الله باطل
تشير بإثبات الصفات لربها ... ... ... فصامتها يهدى ومن هو قائل
فلست ترى شيئًا أدل على شيء من دلالة المخلوقات على صفات خالقها ونعوت كماله وحقائق أسمائه.
وقد تنوعت أدلتها بحسب تنوعها ؛ فهى تدل عقلًا وحسًا وفطرة ونظرًا واعتبارًا ، وفي هذا المعنى قال الشاعر:
تأمل في نبات الأرض وانظر ... ... إلي آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات ... ... ... بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات ... بأن الله ليس له شريك
وإذا ثبت بدلالة الصنعة على الصانع وبأدلة السمع والفطرة وجود الله ووجوب زوجوده وتفرده بكمال الصفات والأفعال ؛ وجب على العباد أن يخلصوا له العبادة ، وأن يسلموا وجوههم إليه في السراء والضراء ، وأن ويدعوه وحده رغبة ورهبة ، خفية وجهرة ، فهذا هو مقتضي الفطرة وموجب العقل السليم ، وبه جاء النقل الصحيح.