ثم قال:"الطريق الثاني لإثبات الصفات: هو دلالة الصنعة عليها ، فإن المخلوق يدل على وجود خالقه ، على حياته وقدرته وعلى علمه ومشيئته ،فإن الفعل الاختياري يستلزم ذلك استلزامًا ضروريًا وما فيه من الإتقان والإحكام ، ووقوعه على أكمل الوجه يدل على حكمه فاعله وعنايته ، وما فيه من الإحسان والنفع ووصول المنافع العظيمة إلي المخلوق يدل على رحمة خالقه وإحسانه وجوده ، وما فيه من آثار الكمال يدل على أن خالقه أكمل منه ، فمعطى الكمال أحث بالكمال ، وخالق الأسماع والأبصار والنطق أحق بأن يكون بصيرًاَ متكلمًا ، وخالق الحياة والعلوم والقدر والإيرادات أحق بأن يكون هو كذلك في نفسه ، فما في المخلوقات من أنواع التخصيصات هو من وأدل شيء على إرادة الرب سبحانه ومشيئته وحكمته التى اقتضت التخصيص 000".
إلي أن قال:"والإحسان إلي المطيعين والقرب إليهم بالإكرام وإعلاء درجاتهم يدل على محبته ورضاه ، وعقوبته للعصاة والظلمة وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهودة تدل على صفة الغضب والسخط ، والإبعاد والطرد والإقصاء يدل على المقت والبغض ، فهذه الدلالات من جنس واحد عند التأمل."
ولهذا دعا الله سبحانه في كتابه عباده إلي الاستدلال بذلك على صفاته ، فهو يثبت العلم بربوبيته ووحدانيته ، وصفات كماله بآثار صفته المشهودة ، والقرآن مملوء بذلك ، فيظهر شاهد اسم الخالق من نفس المخلوق ، وشاهد اسم الرزاق من وجود الرزق والمرزوق ، وشاهد اسم الرحيم من شهود الرحمة المبثوثة في العالم 000"."
إلي أن قال:"وهكذا كل اسم من أسمائه الحسنى له شاهد في خلقه وأمره ، يعرفه من عرفه ، ويجهله من جهله ، فالخلق والأمر من أعظم شواهد أسمائه وصفاته ، وكلا سليم العقل والفطرة يعرف قدر الصانع وحذقه وتبريزه على غيره وتفرده بكمال لم يشاركه فيه غيره من مشاهدة صنعته ؛ فكيف لا تعرف صفات من هذا العالم العلوي والسفلي وهذه المخلوقات من بعض صنيعه ؟ !."