كذلكم قوله تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ) إلي آخر الآية هي مما أريد بها الخصوص وإلا ففي أي أية من الآيات بيان عدد الصلوات ، أو بيان تفاصيل الزكوات ، أو بيان الحج إلى بيت الله الحرام ، بأصله وتفاصيله ، لم يكن ضرع في هذا الوقت ، إنما شرع في المدينة في السنة التاسعة أو السنة العاشرة على الخلاف بين العلماء ، وما كان من حج قبل ذلك ، فهو على الطريقة الموروثة عن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام لما بنى البيت هو وابنه إسماعيل وأمره الله أن يؤذن في الناس ، كان الحج مشروعًا وممتدًا شرعه من أيام رسالة إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلي أيام العرب في زمن النبى - صلى الله عليه وسلم - وبعد زمنه ، أما فرضه في شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ... فقد نزل من آيات سورة آل عمران ، وهذا لم ينزل في مكة إنما نزل في السنة التاسعة من الهجرة أو في السنة العاشرة التى حج فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
فكيف يقال تبيانًا لكل شيء وهو لم يتبين فيه أصل فرضية الحج ولا تفاصيل الحج ولا تفاصيل الصيام ، والصيام أيضًا فرض في المدينة بعد الهجرة بسنة ، اين الجهاد وتفاصيله ، الجهاد بالسلام أين هو وتفاصيله ، البيوع أين هى وتفاصيلها وأين تحريم الربا وهو لم ينزل إلا في المدينة ، فالآية إما أن يقال فيها أنها من العام الذي أريد به الخصوص ، وإما أن يقال تبيانًا لكل شيء أوجبه على المسلمين وهم في مكة لأن السورة مكية بيان لكل شيء مما أوجبه عليهم وشرعه لهم ، لا أنها بيان لكل حكم من أحكام الإسلام .