و مما نُقل عن السلف من الاستدلال بهذا النوع من القياس [1] ، قول الإمام أحمد رحمه الله: (( ومن الاعتبار - أي القياس - لو أن رجلًا كان في يديه قدح من قوارير صافٍ ، و فيه شرابٌ صافٍ ، كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح . فالله ، وله المثل الأعلى ، قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه ) ) [2] .
ولا يصح قياسٌ غير هذا في تقرير العقائد ، سواء كان قياس شمول أو تمثيل [3] لقوله تعالى: { فلا تضربوا لله الأمثال } [ النحل: 74 ] .
و قد اشتد نكير السلف الصالح على من اعتد بعلم الكلام في تقرير العقائد و عدوه من أخبث ما توصلت إليه العقول التائهة بعيدًا عن هدي الكتاب و السنة .
فكانوا رضوان الله عليهم أجمعين يحجمون عن الخوض في علم الكلام ، مكتفين بما جاء في النقل الصحيح ، الذي لا يُخالفه عقلٌ صريح قط .
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله:
(( من عرف قدر السلف عرف أن سكوتهم عمّا سكتوا عنه من ضروب الكلام ، و كثرة الجدال والخصام ، و الزيادة في البيان على مقدار الحاجة ، لم يكن عيّا ، ولا جهلًا ، ولا قصورًا ، و إنما كان ورعًا ، و خشيةً لله ، و اشتغالًا عما لا ينفع بما ينفع ، وسواء ذلك كلامهم في أصول الدين وفروعه ... فمن سلك سبيلهم فقد اهتدى ) ) [4] .
و قال في موضع آخر:
(1) ... انظر: درء تعارض العقل والنقل ، لابن تيمية ، بتحقيق محمد رشاد سالم: 1/30 .
(2) ... الرد على الزنادقة و الجهمية ، للإمام أحمد بن حنبل ، ص 39.
(3) ... يراد بقياس الشمول: ما كان مركبًا من مقدمتين فأكثر مستعملًا فيه لفظة ( كل ) الدالة على الشمول .
و قياس التمثيل ، هو: إلحاق فرع بأصل في الحكم بجامع الوصف المشترك بينهما .
انظُر: التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية ، للشيخ فالح بن مهدي آل مهدي ، ص 119 ، 120 .
(4) ... فضل علم السلف ، لابن رجب الحنبلي ، ص161 .